وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السّمّال وأيوب السختياني «تَذْخَرُونَ» - بسكون الذَّال المعجمة، وفَتح الخاء جاءوا به مجردًا على فَعَل، يقال: ذَخَرته - أي: خبَّأته.
ومن العرب من يقلب تاء الافتعال - في هذا النحو - ذالًا معجمة، فيقول: اذَّخَر يذخِر - بذال معجمة مشددة، ومثله اذَّكَر فهو مذّكر.
وسيأتي إن شاء الله تعالى.
قال أبو البقاء: والأصل في «تَدَّخِرُونَ» تَذتَخِرون، إلاَّ أنَّ الذالَ مجهورة، والتاء مهموسة، فلم يجتمعا، فأبدلت التاء دالًا؛ لأنها من مَخْرَجِها؛ لتقرب من الذال، ثم أبدِلت الذال دالًا، وأدغمت. و «في بيوتكم» متعلق ب «تَدَّخِرُونَ» .
فصل
في الآية قولان:
أحدهما: قال السُّديُّ: كان عيسى عليه السلام في الكتّاب يُحَدِّثُ الغِلْمَانَ بما يصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلُك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، فينطلق الصبيُّ إلى أهله، ويبكي لهم، حتى يعطوه ذلك الشيءَ، فيقولون مَنْ أخبرَك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانَهُمْ عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيتٍ فجاء عيسى، وطلبهم، فقالوا: ليسوا هاهنا. فقال: ما في هذا البيت قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير، ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت عليه أمُّه، حملته على حمارٍ لها، وخرجت هاربةً به إلى مصر.
قال قتادةُ: إنما كان هذا في المائدةِ، وكان خوانًا ينزل عليهم أينما كانوا كالمَنِّ والسَّلْوَى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد، فخانوا وخبّأوا، فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما ادَّخروا، فمسخهم اللهُ خنازيرَ.
وقال القرطبيُّ: إنه لمَّا أحيا لهم الموتى طلبوا منه آيةً أخرى، وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وبما ندخر للغد، فأخبرهم، فقال: يا فلان، أكلتَ كذا وكذا، وادَّخرت كذا وكذا، وأنت يا فلان، أكلت كذا وكذا وادَّخرت كذا وكذا.
فصل
اعلم أن الإخبار عن الغيب على هذا الوجه معجزة؛ وذلك لن المنجِّمين الذين