فهرس الكتاب

الصفحة 2640 من 12961

الثاني: أن يكون الخبر مُضْمَرًا، تقديره: وما من إله لنا إلا الله، و {إِلاَّ الله} بدل من موضع {مِنْ إله} ، لأن موضعه رفع بالابتداء، ولا يجوز في مثله الإبدالُ من اللفظ، لِئَلاّ يلزم زيادة «مِنْ» في الواجب، وذلك لا يجوز عند الجمهور.

ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد «إِلاَّ» على الاستثناء، ولكن لم يُقرأ به، إلا أنَّه جائز لُغَةً أنْ يُقَالَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ - برفع لفظ الجلالة بدلًا من الموضع، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكن في الخبر المقدر؛ إذ التقدير: لا إله استقر لنا إلا الله.

وقال بَعْضُهُم: دخلت «مِنْ» لإفادة تأكيد النفي؛ لأنك لو قلتَ: ما عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس. فإذا قلتَ: ما عندي من الناس من أحدٍ، أفاد أن ليس عندك بعضهم وإذا لم يكن عندك بعضهم فبأن لا يكون عندك كلهم أوْلَى، فثبت أن قوله: {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله} مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحدُ الحقُّ.

قوله: {وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم} كقوله: {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} وفيه إشارةٌ إلى الجواب عن شبهات النَّصَارَى، لأن اعتمادَهم على أمرين:

أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتَى وإبراء الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فكأنه - تعالى - قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بُدَّ وأن يكون عزيزًا، غالبًا، لا يدفع، ولا يمنع، وأنتم اعترفتم بأن عيسى - عليه السلام - ما كان كذلك، بل قلتم: إنّ اليهودَ قتلوه.

والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يُخبر عن الغيوب وغيرها، فكأنه - تعالى - قال: هذا القدرُ من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد وأن يكون حَكِيمًا، أي: عالمًا بجميع المعلومات، وبجميع عواقب الأمورِ.

فَذِكرُ العزيز الحكيم - هاهنا - إشارةٌ إلى الجواب عن هاتَيْنِ الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكر تعالى في أول السورة من قوله: {هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم} [آل عمران: 6] .

وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} يجوز أن يكون مضارعًا - حُذِفَتْ منه إحدى التاءَين، تخفيفًا - على حَدِّ قراءة: {تَنَزَّلُ الملائكة} [القدر: 4] و {تَذَكَّرُون} [الأنعام: 152] - ويؤيد هذا نسق الكلام، ونظمُه في خطاب من تقدم في قوله: {تَعَالَوْا} ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم: فَإن تولّوا.

قال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون مستقبلًا، تقديره: تتولوا - ذكره النَّحَّاسُ - وهو ضعيفٌ؛ لأن حَرْفَ الْمُضَارَعَِ لا يُحْذَف» .

قال شهاب الدين: «وهذا ليس بشيء؛ لأن حرف المضارعة يُحْذَف - في هذا النحو - من غير خِلافٍ. وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت