فهرس الكتاب

الصفحة 4266 من 12961

فالظاهرُ أنها المخفَّفة، وشَذَّ عدمُ الفصْلِ، ويحتملُ أن تكون الناصبة شذَّ وقوعُها بعد العلْمِ، وشذَّ إهمالُها، ففي الأوَّلِ شذوذٌ واحدٌ، وهو عدم الفصلِ، وفي الثاني شذوذَانِ: وقوعُ الناصبةِ بعد العلمِ، وإهمالُها حَمْلًا على «مَا» أختِها.

وجاءَ هنا على الواجب - عند بعضهم - أو الأحسنِ - عند آخرين - وهو الفصلُ بين «أن» الخفيفةِ وبين خبرها، إذا كان جملة فعليةً متصرفةً غير دعاءٍ، والفاصلُ: إمَّا نفي كهذه الآية، وإمَّا حرفُ تنفيس؛ كقوله تعالى:

{عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى} [المزمل: 20] ، ومثله: «عَلِمْتُ أنْ سوْفَ تقُومُ» ، وإمَّا «قَدْ» ؛ كقوله تعالى: {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} [المائدة: 113] ، وإمَّا «لَوْ» - وهي غريبةٌ -؛ كقوله: {وَأَلَّوِ استقاموا} [الجن: 16] {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب} [سبأ: 14] . وتحرَّزْتُ بالفعلية من الاسمية؛ فإنها لا تحتاج إلى فاصل؛ كقوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [يونس: 10] ، وكقوله: [البسيط]

2025 - فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ

وبالمتصرِّفةِ من غيرِ المتصرِّفة؛ فإنه لا تحتاج إلى فاصلٍ؛ كقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} [النجم: 39] {وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ} [الأعراف: 185] ، وبغير دعاءٍ من الواقعةِ دعاءً؛ كقوله تعالى: {أَنَّ غَضَبَ الله} [النور: 9] في قراءة نافعٍ.

ومَنْ نصب «تَكُونَ» ف «أنْ» عنده هي الناصبة للمضارعِ، دخلت على فعلٍ منفيٍّ ب «لاَ» ، و «لاَ» لا يمنعُ أن يعملَ ما قبلها فيما بعدها من ناصبٍ، ولا جازم، ولا جارٍّ، فالناصبُ كهذه الآية؛ والجازم كقوله تعالى: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 73] {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله} [التوبة: 40] ، والجارُّ نحو: «جِئْتُ بِلا زادٍ» .

و «حَسِبَ» هنا على بابها من الظَّنِّ، فالناصبة لا تقعُ بعد علْم، كما أنَّ المخففة لا تقع بعده غيرِه، وقد شَذَّ وقوعُ الناصبةِ بعد يَقِينٍ، وهو نصٌّ فيه كقوله: [البسيط]

2026 - نَرْضَى عَنِ النَّاسِ إنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا ... ألاَّ يُدانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ بَشَرُ

وليس لقائلٍ أن يقول: العلمُ هنا بمعنى الظَّنِّ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه، والأكثرُ بعد أفعالِ الشكِّ النصبُ ب «أنْ» ، ولذلك أُجْمِع على النصْب في قوله تعالى: {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا} [العنكبوت: 2] ، وأمَّا قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} [طه: 89] فالجمهورُ على الرفع؛ لأن الرؤية تقعُ على العلْمِ.

والحاصل أنه متى وقَعَتْ بعد علْمٍ، وجبَ أن تكونَ المخفَّفةَ، وإذا وقعت بعد ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت