وأُجِيبُ: بأنَّ القراءةَ الشَّاذَّةَ مردُودَةٌ، إذ لَوْ كانَتْ قُرْآنًا، لنُقِلَتْ نَقْلًا مُتَوَاترًا، ولو جوَّزنا في القُرْآن ألا ينقل متواترًا، لَزِمَ طَعْن الرَّوَافِضِ والملاحِدَة في القُرْآن، وذلك بَاطِلٌ، فعِلمْنَا أن القراءة الشَّاذَّة مردُودةٌ، فلا تَصْلحُ أنْ تكون حُجَّةً.
وأيضًا نُقِلَ عن أبَيِّ بن كعب أنَّهُ قرأ: «فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر مُتَتَابِعَات» ، مع أنَّ التَّتَابع هُناكَ ما كان شَرْطًا وأجابُوا عَنْهُ أنَّهُ رُوِي عن النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - «أنَّ رَجُلًا قال لَهُ: عَلَيَّ أيَّامُ رمضانَ أفَأقْضِيهَا مُتفَرِّقاتٍ، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» أرأيْتَ لوْ كَانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَ الدِّرْهِمَ بِالدِّرْهَم أمَا كان يُجْزِيك؟ قال: بلَى قال: فاللَّه تعالى أحَقُّ أن يَغْفِرَ ويَصْفَحَ «وهذا الحَدِيثُ وإن وَقَعَ جوابًا عن هذا السُّؤال في صَوْم رمضان، إلاَّ أنَّ لَفْظَهُ عامٌّ، وتَعْلِيلُهُ عَامٌّ في جَميعِ الصِّيَامَاتِ، وقد ثبتَ في الأصُولِ أنَّ العِبْرة بعُمُوم اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السبب، فهذا من أقوى الدَّلائلِ على جَوازِ التَّفْرِيق هاهُنَا.
قوله تعالى: {ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ، ذلك إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الإطْعَام والكِسْوَة، وتحْرِيرِ الرَّقَبَة يُكفِّر عنكم حِنْثَ اليَمِين وقْتَ حَلْفِكُمْ و» إذَا حَلَفْتُمْ «قال أبو البقاء:» منصوبٌ على الظَّرْف وناصبُه «كَفَّارة» ، أي: ذلك الإطعامُ، أو ما عُطِفَ عليه يُكَفِّر عنْكُمْ كَفَّارةُ «، لكان صحيحًا بمعنى تلك الأشياء، أو التأنيث للكفَّارة، والمعنى:» إذَا حَلَفْتُمْ حَنْثْتُم، فترك ذِكْرَ الحِنْثِ؛ لوقوع العلْمِ بأن الكفَّارة، إنما تَجِبُ بالحِنْثِ بالحَلِفِ لا بنَفْسِ الحَلِفِ، كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي: فأفْطَرَ «.؟ ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشريُّ، وهو تقديرُ الحِنْثِ، ولذلك عِيبَ على أبي البقاء قوله:» العَامِلُ في «إذَا» كفارةُ أيْمانِكُمْ؛ لأن المعنى: ذلك يُكَفِّرُ أيْمَانكُمْ وَقْتَ حَلْفِكُمْ «، فقيل له: الكفَّارةُ ليستْ واقعةً في وقْتِ الحَلْفِ، فكيف يَعْمَلُ في الظرْفِ ما لا يقعُ فيه؟ وظاهرُ الآية أنَّ» إذَا «متمحِّضَة للظرفيَّةِ، وليس فيها معنى الشرطِ، وهو غيرُ الغالبِ فيها، وقد يجوزُ أن تكون شرطًا، ويكونُ جوابُها محذوفًا على قاعدةِ البصريِّين يدُلُّ عليه ما تقدَّم، أو هو نفسُ المتقدِّم عند أبي زَيْدٍ والكوفيين، والتقدير: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُم، فذلك كفارةُ إثْمِ أيْمَانِكُمْ؛ كقولهم:» أنْتَ ظَالِمٌ إنْ فَعَلْتَ «.
فصل
اخْتَلَفُوا في تقديم الكَفَّارة على الحنْثِ؛ فذَهَبَ قَوْمٌ إلى جَوَازِهِ لقَوْل النَّبِيِّ - صلَّى