عطيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ: «والوجهُ عودُ ضميرِ المؤنَّث على ما تقتضيه الآيةُ ضرورةً، أي: صُوَرًا، أو أشكالًا، أو أجْسامًا، وعودُ الضمير المذكَّر على المخلوقِ المدلولِ عليه ب» تَخْلُقُ «، ثم قال:» ولَكَ أن تعيدَهُ على ما تَدُلُّ عليه الكافُ من معنى المثل؛ لأنَّ المعنى: وإذ تَخْلُقُ من الطِّينِ مثل هيئته، ولك أن تعيده على الكاف نَفْسِهَا، فتكون اسمًا في غيرِ الشِّعْر «.
انتهى، وهذا القولُ هو عينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضًا بمعنى مثل، وكونُها اسمًا في غير الشعرِ، لم يَقُلْ به غيرُ الأخْفَشِ.
واستشكل الناسُ قولَ مكيٍّ المتقدِّمَ؛ كما قدَّمْتُ حكايته عن ابن عطية رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. ويمكنُ أن يُجابَ عنه بأنَّ قوله «عائدٌ على الطَّائِرِ» لا يريدُ به الطائِرَ الذي أُضيفَتْ إليه الهيئةُ، بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ طائرًا صورةَ الطائرِ الحقيقيِّ، فتنفخُ فيه، فيكونُ طائرًا حقيقيًّا، وأنَّ قوله «عائدٌ على الهيئة» لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفة بالكاف، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ هيئةً مِثْلَ هيئةِ الطَّائر، فتنفخُ فيها، أي: في الموصُوفَة بالكاف الَّتِي نُسِبَ خَلْقُهَا إلى عيسى - عليه السلام - وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكَّر على هيئةٍ، وضميرٌ مؤنثٌ على الطائرِ [لأنَّ قوله: «ويجُوزُ عكْسُ هذا» يؤدي إلى ذلك؟ فجوابُه أنه جازَ بالتأويل؛ لأنه تُؤوَّلُ الهيئةُ بالشكْل، ويُؤوَّل الطائرُ] بالهيئةِ؛ فاستقام، وهو موضعُ تَأمُّلٍ، وقال هنا «بإذْنِي» أربعَ مراتٍ عَقِيبَ أربع جمل، وفي آل عمران «بإذْنِ الله» مرتَيْن؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ، فناسَبَ الإيجازَ، وهنا مقامُ تذكيرٍ بالنعمةِ والامتنانِ، فناسبَ الإسهابَ؛ وقوله «بإذْنِي» حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، أو من المفعول.
قوله: {وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي} قال الخَلِيلِيُّ: من وُلِدَ أعْمَى، ومَنْ وُلِدَ بصيرًا ثُمَّ أعْمِي.
قوله تعالى: {وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى} : من قُبُورِهِم أحْيَاء «بإذْنِي» ، أي: بفِعْلي ذلك عند دُعائِك، أي: عند قولِكَ للميِّت: اخْرُجْ بإذْنِ اللَّهِ، وذلك الإذْنُ في هذه الأفاعِيلِ، إنَّما هُو على مَعْنَى إضافَةِ حَقيقَةِ الفِعْلِ إلى الله - تبارك وتعالى - كقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 145] أي: إلاَّ بِخَلْقِ اللَّهِ الموْتَ فيها.
قوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات} يعني: الوَاضِحَة والمُعْجِزَات الظَّاهِرَة، وقيل: المُرادُ بالبَيِّنات الظَّاهِرَةِ هذه البَيِّناتُ التي تقدَّم ذكرُها، فيكون الألفُ واللاَّمُ لِلْمَعْهُود.
رُوِي أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمَّا أظْهَرَ هذه المُعْجِزات العَجِيبَة، قَصَدَ اليهُود قَتْلَه، فخلَّصَهُ اللَّهُ تعالى مِنْهم، حَيْثُ رفَعَهُ إلى السَّمَاء.