والمنكرون لهذه العجائبِ صُمُّ لا يسمعون كلامًا، بُكْمٌ لا ينطقون بالحق، خَائِضونَ في ظلمات الكُفْرِ، غفلون عن تَأمُّلِ هذه الدلائل.
قوله: {مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ} في مَنْ» وجهان:
أحدهما: أنها مبتدأ، وخبرها ما بعدها، وقد عُرِفَ غير مَرَّةٍ.
ومفعول «يشأ» محذوف، أي: من يشأ الله إضلاله.
والثاني: أنه مَنْصُوبٌ بفعل مُضْمَرٍ يفسِّرُهُ ما بعده من حيث المعنى، ويقدِّر ذلك الفعل متأخّرًا عن امس الشَّرْطِ لئلا يلزم خروجه عن الصَّدرِ.
وقد تقدَّمَ التَّنْبِيهُ على ذلك، وأن فيه خلافًا، والتقدير: من يُشْقِ اللَّهُ يَشَأ إضلاله، ومن يُسْعِدْ يَشَأ هدايتَهُ.
فإن قيل: هل يجوز أن تكون «من» مفعولًا مُقدِّمًا ل «يشاء» ؟
فالجواب: أن الأخْفَشَ حكى عن العربِ أنَّ اسم الشَّرْطِ غير الظرف، والمضاف إلى اسم الشرط لا بد أن يكون في الجَزَاءِ ضَمِيرٌ يعود عليه، أو على أضيف إليهن فالضَّمير في «يضلله» و «يجعله» : إمّا أن يعود على المُضافِ المحذوف، ويكون كقوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ} [النور: 40] .
فالهاء في «يغشاه» تعود على المُضاف، أي: كَذي ظلمات يَغْشَاهُ.
وإمَّا أن يعود على اسم الشرط[والأول ممتنع؛ إذ يصير التقدير: إضلالُ من يشأ الله يضلله، أي: يضلّ الإضلال، وهو فاسد.
والثاني أيضًا مُمْتَنَعٌ لخلو الجواب من ضَمِيرٍ يعود على المضاف إلى اسم الشرط].
فإن قيل: يجوز أن يكون المعنى: من يشأ الله بالإضلالِ، وتكون «من» مفعولًا مقدّمًا؛ لأن «شاء» بمعنى «أراد» ، و «أراد» يتعدَّى بالباء.
قال الشاعر: [الطويل]
2157 - أرَادَتْ عَرَارًا بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عَرَارًا لَعَمْرِي بالهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمْ
قيل: لا يلزم من كَوْنِ «شاء» بمعنى «أراد» أن يتعدَّى تعديته، ولذلك نَجِدُ اللفظ