آخر الأمثلة التي ذكرها لا يَرُدُّ على الزمخشري؛ لأن الزمخشري وغيره من أهْلِ اللِّسانِ والأصوليين يقولون: إنَّ العطف ظَاهِرٌ في التشريك، فإن كان في المعطوف عليه قَيْدٌ فالظَّاهِرُ تقييد المعطوف بذلك القَيْد؛ إلاَّ أن تجيء قرينَةٌ صارِفَةٌ، فيُحَالٌ الأمر عليها.
فإذا قلت: ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا، فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضَّربِ مقيدًا بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمرًا يوم السبت لم يشاركه في قَيْدِهِ، والآية الكريمة من قَبِيلِ النوع الأول؛ أي: لم يؤت مع المعطوف بقرينه تُخْرِجُهُ، فالظاهر مُشَاركَتُهُ للأول في قيده، ولو شاركه في قيده لزم منه ما ذكر الزومخشري، وأما الأمثلة التي أوْرَدَهَا فالمعطوف مُقَيَّدٌ بيغر القيد الذي قيد به الأوَّل، وإنما كان نبغي أن يُمَثِّلَ بقوله: «ما عندنا رجل سوء ولكن امرأة وما عندنا رجل من تميم ولكن صبي» ، فالظاهر من هذا أن المعنى: ولكن امرأة سوء، ولكن صبي من قريش.
وقول الزمخشري: «عَطْفًا على محل: من شيء» ولم يقل: عطفًا على لفظه لفائدة حَسَنَةٍ يَعْسُرُ مَعْرفَتُهَا، وهو أن «لكن» حرف إيجاب، فلو عطفت ما بعدها على المجرور ب «مِنْ» لَفْظًا لزم زيادة «من» في الواجب، وجمهور البصريين على عدم زيادتها فيه، ويَدُلُّ على اعتبار الإيجاب في «لكن» أنهم إذا عَطَفُوا بعد خبر «ما» الحجازية أبْطَلُوا النَّصْبَ؛ لأنها لا تعمل في المنتقض النفي، و «بل» ك «لكن» فيما ذكرنا.
فصل في النزول
روى عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68] قال المسلمون: لئن كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاصوا فيه قُمنا عَنْهُم لما قَدَرْنَا على أن نجلس في المسجد الحرامِ، وأن نطوف بالبيت، وهم يخوضون أبدًا.
وفي رواية: قال المسلمون: فإنا نَخَافُ الإثم حين نتركهم، ولا ننهاهم، فأنزل الله {وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم} أي: ما آثَامِ الخائفين من شيء «ولَكِنْ ذِكُرَى» أي: ذكِّروهم وعِظُوهم بالقرآن، والذِّكْرُ والذِّكْرُ والذِّكْرَى واحد، يريد ذكروهم ذكرى لَعَلَّهم يتقون الخوض إلذا وعَظْتُمُوهُمْ، فرخص في مجالستهم على الوَعْظِ لعلَّهم يمنعهم ذلك من الخوض.
وقيل: لعلَّهم يسحيون.