فهرس الكتاب

الصفحة 4769 من 12961

وهم كانوا مُنَجِّمين، ومذهبهم أن الكوكب إذا كان الرُّبْعِ الشرقي، ويكون صاعدًا إلى وسطِ السماء كان قويًَّا عظيم التأثير، أما إذا كان غربيَّا وقريبًا ومن الأفُولِ، فإنه يكون ضَعيفَ الأثَر قليل القُوَّة، فَنَبَّهَ بهذه الدقيقة على ان الإله هو الذي تتغير قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ، وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الرُّبْعِ الغربي يكون ضعيف القوة، ناقص التأثيرن عاجزًا عن التَّدبير، وذلك يَدُلُّ على القَدْح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مَزِيدَ خاصية في كونه موجبًا لِلْقَدْح في إلهيته والله أعلم.

فإن قيل: إن تلك اللَّيْلَة كانت مَسْبُوقَةً بنهارٍ وليل، فكان أفُولُ الكواكب والقمر والشمس حاصلًا في الليل السَّابق والنهار السابق، وبهذا التقدير لا يبقى للأفولِ الحاصل في تلك الليلة فَائدةٌ؟

فالجواب: أنا قد بَيَّنَّا أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - إنما أورد هذا الدَّليلَ على القوم الذين كان يدعوهم من عِبَادَةِ النجم إلى التوحيد، فلا يَبْعُدُ أن يقال: إنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان جالسًا مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي، فَزَجرهُمْ عن عبادة الكواكب، فبينا هو في تَقْريرِ ذلك الكلام، إذ رفع بَصَرَه إلى كوكب مُضيء، فلما أفَلَ قال إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لو كان هذا الكوكب إلهًا لما انْتَقَلَ من الصُّعُودِ إلى الأفُولِ ومن القُوَّةِ إلى الضعف، ثم في أثناء ذلك الكلام طَلَع القمر وأفَلَ فأعاد عليهم ذلك، وكذا القول في الشمس.

فصل في الدلالة في الآية

دَلَّت الآية على أحكام:

أحدها: دلَّتْ على أنه ليس بِجِسْمٍ، إذ لو كان جِسْمًا غائبًا أبدًا لكان آفلا أبدًا.

وأيضًا يمتنع أن يكون - تعالى - بحيث ينزل من العَرْشِ إلى السماء تَارةً، ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلاَّ يحصل معنى الأفول.

وثانيها: دَلَّتِ الآية على أنه - تعالى - ليس مَحَلًا للصِّفاتِ المحدثة، كما يقول الكرامية، وإلاَّ لكان متغيرًان وحينئذ يحصل معنى الأفولِ، وذلك مُحَالٌ.

ثالثها: دلَّتِ الآية على أنَّ الدين يجب أن يكونم مَبْنِيًا على الدليل، لا على التَّقْلِيدِ، وإلاَّ لم يكن لهذا الاسْتِدْلالِ فَائِدَةٌ.

ورابعها: دلَّتِ الآية على أن معارف الأنبياء بربِّهِمُ اسْتِدْلاليَّةٌ لا ضرورية، وإلاَّ لما احتاج إبراهيم - عليه السلام - إلى الاستدلال.

وخامسها: دلَّتِ الآية على أنه لا طَرِيقَ إلى تحصيل معرفة الله - تعالى - إلاَّ بالنَّظَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت