فهرس الكتاب

الصفحة 7284 من 12961

أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكورًا، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل، فلا جرم: كل من ورد عرصة القيامة، ألزمناه طائره في عنقه، ونقول له: {اقرأ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا} .

وثانيها: أنه تعالى، لمَّا بيَّن أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدِّين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار، وغيرهما، كان منعمًا عليهم بجميع وجوه النِّعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته، فلا جرم: كلُّ من ورد عرصة القيامة، فإنه يكون مسئولًا عن أعماله وأقواله.

وثالثها: أنه تعالى بيَّن أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكِّنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك الخدمة والطَّاعة، أو تمرَّد وعصى.

وقرئ «في عُنْقهِ» بإسكان النون وهو تخفيف ٌ شائعٌ.

فصل

اختلفوا في الطائر، فقال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «عمله، وما قدر عليه من خير أو شرٍّ، فهو ملازمه، أينما كان» .

وقال الكلبي ومقاتل: «خيره وشره معه لا يفارقه حتَّى يحاسبه» ، وقال الحسن: يمنه وشؤمه، وعن مجاهد: «ما من مولود إلاَّ في عنقه ورقة، مكتوب فيها شقيٌّ أو سعيدٌ» .

وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، سمِّي طائرًا على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها، فكانوا غذا أرادوا الإقدام على عملٍ من الأعمال، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خيرٍ أو إلى شرٍّ، اعتبروا أحوال الطَّير، وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار، فهو يطير متيامنًا أو متياسرًا، أو صاعدًا إلى الجوّ، أإلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلّون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر بالطائر، فلما كثر ذلك منهم، سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه، ونظيره قوله تعالى: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] وقوله عزَّ وجلَّ: {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} [يس: 19] فالمعنى: أنَّ كلَّ إنسان ألزمناه عمله في عنقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت