فهرس الكتاب

الصفحة 7386 من 12961

فصل

تقرير شبهة القوم: هو أنَّ الإنسان، إذا جفَّت أعضاؤه، وتناثرت وتفرَّقت في جوانب العالم، واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم، فالأجزاء المائيَّة تختلط بمياه العالم، والأجزاء الترابيَّة تختلط بالتُّراب، والأجزاء الهوائيَّة تختلط بالهواء، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرَّة أخرى، وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى؟! هذا تقرير شبهتهم.

والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتمُّ إلاَّ بالقدح في كمال علم الله تعالى، وفي كمال قدرته.

أمَّا إذا سلَّمنا كونه تعالى عالمًا بجميع الجزئيات، فحينئذٍ، هذه الأجزاء، وإن اختلطت بأجزاء العالم، إلاَّ أنها متميِّزة في علم الله تعالى، ولما سلَّم كونه - تعالى - قادرًا على كلِّ الممكنات، كان قادرًا على إعادة التأليف والتركيب، والحياة، والعقل، إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فمتى سلم كمال علم الله تعالى، وكمال قدرته، زالت هذه الشبهة بالكليَّة.

ثم قال تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} وذلك أنَّهم استبعدوا أن يردَّهم أحياءً بعد أن صاروا عظامًا ورفاتًا، فإنَّها صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر، فقال: ولقد قدرتم أنَّ هذه الأجسام بعد الموت تصير إلى صفة أخرى أشدَّ منافاة لقبول الحياة من كونها عظامًا ورفاتًا؛ مثل أن تصير حجارة أو حديدًا؛ فإنَّ المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة اشدُّ من المنافاة بين العظميَّة وبين قبول الحياة؛ لأنَّ العظم كان جزءًا من بدن الحيِّ، وأمَّا الحجارة والحديد، فما كانا ألبتَّة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس حجارة أو حديدًا بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، ويجعلها حية عاقلة، كما كان، والجليل على صحَّة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل؛ إذ لو لم يكن القبول حاصلًا، لما حصل العقل والحياة لها في أوَّل الأمر، وإله العالم عالمٌ بجميع الجزئيَّات، فلا يشتبه عليه أجزاء بدنِ زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي، وقادرٌ على كل الممكنات.

وإذا ثبت أنَّ عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنٌ في نفسه، وثبت أنَّ إله العالم عالمٌ بجميع المعلومات، قادرٌ على كلِّ الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنًا قطعًا سواءٌ صارت عظامًا ورفاتًا أو أشياء أبعد من العظم في قبول الحياة، مثل أن تصير حجارة أو حديدًا، وهذا ليس المراد منه الأمر، بل المراد أنَّكم لو كنتم كذلك، لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة؛ كقول القائل للرجل: أتطمع فيَّ، وأنا ابنُ فلانٍ؟!! فيقول: كُنْ من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقِّي. ثم قال تعالى: أَوْ خَلْقًا مِّمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت