فهرس الكتاب

الصفحة 7720 من 12961

واتفقوا على أن تلك الآية هي تعذرُ الكلام عليه، فإن مجرَّد السكوتِ مع القدرةِ على الكلام لا يكونُ معجزةً، ثم اختلفوا على قولين:

أحدهما: أنه اعتقل لسانه أصلًا.

والثاني: أنه امتنع عليه الكلامُ مع القوم على وجه المخاطبة، مع أنه كان متمكنًا من ذكر الله، ومن قراءة التوراة، وهذا القولُ عندي أصحُّ؛ لأن اعتقال اللسان مطلقًا قد يكون لمرضٍ، وقد يكون من فعل الله، فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجزٌ إلا إذا عرف أنه ليس لمرض، بل لمحضِ فعل الله تعالى مع سلامة الآلات، وهذا مما لا يعرف إلا بدليل آخر، فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام، مع القوم، مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءةِ التوراةِ، علم بالضرورة؛ أن ذلك الاعتقال ليس لعلَّةٍ ومرضٍ، بل هو لمحض فعل الله، فيتحقق كونه آية ومعجزة، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} خص ذلك بالتكلم مع الناس؛ وهذا يدلُّ بطريق المفهوم؛ أنه كان قادرًا على التكلم مع غير الناس.

قوله: «سَوِيًّا» : حالٌ من فاعل «تُكَلِّمَ» ، وعنابن عباس: أنَّ «سويًّا» من صفةِ الليالي بمعنى «كاملات» ، فيكونُ نصبه على النعت للظرف، والجمهورُ على نصب ميم «تُكَلِّم» جعلوها الناصبة. وابن أبي عبلة بالرفع، جعلها المخففة من الثقيلة، واسمها ضميرُ شأنٍ محذوف، و «لا» فاصلةٌ، وتقدَّم تحقيقه.

وقوله: «أنْ سَبَّحُوا» : يجوز في «أنْ» أن تكون مفسِّرة ل «أوْحَى» ، وأن تكون مصدرية مفعولة بالإيحاء، و «بُكْرَةً وعشِيًّا» ظرفا زمانٍ للتسبيح، وانصرفت «بُكْرَةً» ؛ لأنه لم يقصدْ بها العلميَّةُ، فلو قُصِدَ بها العلميةُ امتنعت من الصَّرف، وسواءٌ قصد بها وقتٌ بعينه؛ نحو: لأسيرنَّ الليلة إلى بكرة، أم لم يقصد؛ نحو: بكرةُ وقتُ نشاطٍ؛ لأنَّ علميَّتها جنسيَّةٌ؛ كأسامة، ومثلها في ذلك كله «غُدوة» .

وقرأ طلحة «سَبِّحُوه» بهاءِ الكناية، وعنه أيضًا: «سَبِّحُنَّ» بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكِّدًا بالثقيلة، وهو كقوله: {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] ، وقد تقدَّم تصريفه.

قوله تعالى: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب} ، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه؛ أن يفتح لهم الباب، فيدخلون ويصلون؛ إذ خرج عليهم زكريا متغيِّرًا لونه، فانكروه، فقالوا: ما لك يا زكريا {فأوحى إِلَيْهِمْ} .

قال مجاهدٌ: كتب لهم الأرض، {أَن سَبِّحُواْ} ، أي صلوا لله، {بُكْرَةً} ، غدوة، {وَعَشِيًّا} ، معنا أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيًا، فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقتُ حمل امرأته، ومنع الكلام خرج إليهم، فأمرهم بالصلاة إشارة.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: {يايحيى} ، قيل: فيه حذف معناه: وهبنا له يحيى، وقلنا له: يا يحيى، {خُذِ الكتاب} ، يعني التوراة، وقيل يحتمل أن يكون كتابتً خصَّ الله به يحيى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت