يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا: وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد: إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور.
قوله: {والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ} قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك.
وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: كل باطل، ولهو وما لا يجمل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب، قال الله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} [الفرقان: 72] أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه.
واعلم أن اللغو قد يكون كفرًا كقوله تعالى: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] ، وقد يكون كذبًا لقوله تعالى: {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} [الغاشية: 11] ، وقوله: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا} [الواقعة: 25] . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك.
قوله: {والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} اللام في قوله: «لِلزَّكَاةِ» مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعًا. والزكاة في الأصل مصدر، ويطلق على القدر المُخْرَج من الأعيان، وقال الزمخشري: اسم مشترك بين عين ومعنًى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، والمعنى فعل المزكي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث: (من فعل هذا) فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت: