قوله: «لا يَخْلُقُونَ» صفة ل «آلهة» ، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالكواكب والأصنام. ومعنى «لا يخلقون» لا يقدرون على التقدير، والخلق يوصف به العباد قال زهير:
3860 - ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وبع ... ضُ القَوم يخلُق ثم لا يَفْرِي
ويقال: خلقت الأديم: أي: قدرته، وهذا إذا أريد بالخلق التقدير، فإن أريد به الإيجاد فلا يوصف به غير الباري - تعالى - وقد تقدم.
وقيل: بمعنى يختلقون كقوله: «وتَخْلُقُون إفْكًا» .
فصل
لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب عبدة الأوثان من وجوه: منها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادرًا على الخلق والإيجاد ومنها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنيًا. ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا، ومن كان كذلك لا يملك موتًا ولا حياةً ولا نُشُورًا. أي: لا يقدر على الإحياء والإماتة لا في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهًا، وكيف يستحق العبادة؟ .
فصل
احتج أهل السنة بقوله: «ولا يَخْلُقُونَ شَيْئًا» على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأنه عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يَخْلُق شيئًا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقًا لكان معبودًا إلهًا. وأجاب الكعبي بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى،(وقال بعض أصحابنا في الخلق: إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ولا يكون ذلك إلا لله تعالى.
ثم قال: قد قال الله تعالى): {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} [الأعراف: 195] في وصف الأصنام، أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد. فإذا قالوا: لا. قيل: فكذلك ما ذكرتم، وقد قال الله تعالى: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] هذا كله كلام الكعبي.