فإن كان (مَلِيًّا) ، أي: بعيدًا فهو على بعده منه، أي: ابعد مني، وتباعد مني داره ومقامه.
وإن كان على الدهر والطول فهو يخرج، أي: لا تكلمني أبدًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)
يحتمل أنه ليس على أن سفم عليه، ولكن كلمه بكلام السداد، كقوله: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) ، هو أن يقولوا لهم كلام السداد ليس على أن يسلموا عليهم.
ويحتمل (سَلَامٌ عَلَيْكَ) على حقيقة السلام المعروف، لكنه يخرج على الإضمار، أي: (سَلَامٌ عَلَيْكَ) إذا أسلمت.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّّ: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) إذا أسلمت على نحو ما قلنا.
ويحتمل قوله: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) أي: أسأل ربي ليوفقك على السبب الذي تستوجب به الاستغفار، وتكون أهلًا للاستغفار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: برًّا لطيفًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (حَفِيًّا) : عالمًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه كان عودني الإجابة.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الحفي: العالم بالأمر، ويقال: حفى الرجل يحفي: إذا سار بلا نعل ولا خف، وجمعه: حفاة، واحتفى يحتفي: إذا اجتنى حشيشًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48)
الاعتزال - هاهنا - اعتزال هجرة إلى أرض الشام، ومفارقته إياهم مفارقة المكان والدار، كقوله: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) ، فقوله: (وَنَجَّيْنَاهُ) النجاة بالفراق منهم.
وقوله: (وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: وأعتزلكم وما تعبدون من دون اللَّه أيضًا، ففيه إخبار عن اعتزاله عنهم بالدار والمكان، وعن فعلهم أيضا، اعتزلهم عن الأمرين جميعًا.