كما يوفر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا.
وعلى تأويل غيره: أي: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئًا، أي: إنهم وإن بلغوا مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئًا، ذكر هذا حتى لا يظن أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ، وهو يرد قول من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أن يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد إلى المرتهن، ولو كان له هذا، لكان لا يكون رهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين -أي: محبوس- فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ(22) .
أي: وأمددناهم فاكهة، والباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله تعالى: (بِحُورٍ عِينٍ) .
ثم يحتمل أن يكون قوله: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ) إخبارًا عن دوامها وكثرتها، أي: لا تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) .
أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما يشتهي شيئًا لا يجده، ويجد ما لا يشتهيه، وهو كقوله - تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ(23) أي: يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكون في الدنيا لا يكون لكل أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يغتسل مع بعض أزواجه وربما تتنازع أيديهما.
وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر.
وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو الإناء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لَا لَغْوَ فيها وَلَا تَأْثِيمَ) قرئ: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) بالرفع والتنوين.
قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) .