لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا معه؛ لمكان تعظيم الوحي، وتشريف الرسالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28) .
قال قائلون: ليعلم مُحَمَّد بالرصد: أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على الوجه الذي أمروا كما بلغ هو.
والثاني: أن يعلم كل في نفسه: أن قد أبلغ رسالات ربه.
أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ مُحَمَّد - عليه السلام - رسالات ربه على الوجه الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان، ولا جني، ولا عدو.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) .
أي: بما عند الرسل، أو بما عند الملائكة، أو بما عند الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، لا بالعد، وهو كقوله: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) ، أي: ما يوزن عند الخلق.
أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ، فبين أن النصر من عنده، وأن الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.
(وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) ، أي: كل شيء عنده معدود ومحصى، لا يغفل - جل جلاله - عن معرفة عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.