مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ... (59) . يقول المتبوعون للأتباع لما أدخلوا النار ورأوهم: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ) أي: لا سعة بهم وهو من الرحب وهو السعة، فأجابهم الأتباع: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ(60) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قالت الخزنة لمن في النار: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ) فيردون على الخزنة: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ) فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا النار بعدهم: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ) .
وأصل هذا: أن هذا منهم لعن، يلعن بعضهم بعضًا؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) ، ونحو ذلك من الآيات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ(61)
هذا كقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) ، هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) فعلى ذلك هذه المناظرة التي ذكرت هاهنا بين القادة والأتباع.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) ، وقوله: (مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا) أي: أنتم شرعتموه لنا في الدنيا وسننتموه، ولذلك قولهم: (مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا) أي: من شرع لنا هذا وسن الذي كنا عليه وأمرنا به فزده عذابًا في النار وهو كما ذكر في سورة سبأ حيث قالوا: (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) ، واللَّه أعلم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: الغساق: ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد، يقال: غسقت عنه، أي: سَالت، ويقال: هو البارد المنتن؛ وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) : من مثله، الشكل: المثل، والشكل بنصب الشين الغنج، وشكلت المرأة إذا انغنجت، والتقحم الدخول واقتحمت كلمة واحدة وهو الدخول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ) .
أي: لا سعة بهم، والرحيب والرحب: الواسع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ(62) إلى آخر ما