فهرس الكتاب

الصفحة 4594 من 5990

فأمَّا على السؤال والدعاء فهو - واللَّه أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم، ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا) ، وما ذكروا، فعلى ذلك هَؤُلَاءِ.

ومن قرأ (بَعُدَ بين أسفارنا) ؛ على الشكاية - شكا إلى ربه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.

وأمَّا قوله: (بَاعَد) على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: فيهم من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.

وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) ، لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، واللَّه أعلم.

وقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) .

أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.

وقال: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

(وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) .

أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه واللَّه أعلم.

وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) .

يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبرًا وعظات لكل مؤمن.

أو آيات لكل صبار على طاعة اللَّه وأمره، شكور لنعمه.

أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم اللَّه.

ثم يخرج على وجهين:

أحدهما: في الاعتقاد له.

والثاني: في المعاملة.

يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت