على الرغم من أهمية المعايشة الصادقة في مجال البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي والإثنوغرافي، إلا أن هذه الطريقة قد تسقط الباحث في الذاتية، وتبعده عن الموضوعية العلمية، عندما يندمج في المجتمع بشكل كلي وعميق، ويتقمص قيمه ومعتقداته وسلوكياته. ويعني هذا أن"للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج. فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات. كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة. وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا." [1]
ومن سلبيات المعايشة كذلك السقوط في الذاتية، والخضوع للميول والأهواء والرغبات والاتجاهات الشخصية الضيقة، والانسياق وراء الأطماع والتصورات الإيديولوجية المغرضة، وتغليب المنافع والمصالح الذاتية، والابتعاد عن الموضوعية العلمية الحقة، وخدمة الأغراض الاستعمارية في إطار التوجه الكولونيالي أو الاستشراقي، كما يبدو ذلك جليا في البحوث الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنتروبولوجية.
وخلاصة القول، على الرغم من سلبيات المعايشة المباشرة، فإنها تقنية علمية كيفية مهمة في مقاربة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية، ولاسيما الإثنوغرافية منها؛ إذ تساعدنا هذه الملاحظة الميدانية على استجماع المعلومات والبيانات والمعطيات المهمة حول ظاهرة ما بغية فهمها وتفسيرها وتأويلها. وغالبا، ما توظف هذه التقنية الميدانية العملية بكثرة في المجالات العلمية التالية: الإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلة، وعلم الاجتماع، واللسانيات.
(1) - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.