الفصل الثاني:
تقنية المعايشة أو المشاركة
تتحقق هذه الملاحظة بوضوح عند علماء الأنتروبولوجيا، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع، وكذلك عند الرحالة؛ حيث يشارك هؤلاء الناس المفحوصين أو المبحوثين عن قرب، في مختلف أنشطتهم ومهاراتهم وأعمالهم، فيرصدون حياتهم النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والحضارية، بتسجيل مجموعة من الملاحظات وتدوينها، بعد معايشة صادقة، وتتبع مستمر، واندماج داخل عالمهم، كأنهم أفراد من عينة هذا المجتمع الأصلي المدروس. وتقترب هذه الملاحظة من الملاحظة الاستكشافية، أو الملاحظة الميدانية، أو الملاحظة الاستطلاعية. ويعني هذا أن الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة تقوم على حضور الباحث في مجتمع المفحوصين، ومشاركته لهم في اهتماماتهم، واستعداداتهم، ورغباتهم، وميولهم، كأنه واحد منهم، إلا أنه يتميز عنهم بممارسة الملاحظة والتدوين والتسجيل.
ومن هنا، تعتبر الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة المباشرة من أهم أدوات المنهج الكيفي الذي يعنى بدراسة الظاهرة الاجتماعية أو الإثنوغرافية أو الأنتروبولوجية من الداخل، بتجاوز البيانات الكمية ومقاييس الإحصاء العددي. ومن ثم، لابد من التوقف عند مفهوم المعايشة أولا، وذكر آلياتها ثانيا، وتبيان إيجابياتها ثالثا، واستجلاء سلبياتها رابعا.