للإرسالية. ومن ثم، يسعف تحليل المضمون، سواء أكان كميا أم كيفيا، في دراسة خطابات الأفراد أو الجماعات، رسمية كانت أم غير رسمية. ويسمح هذا المنهج كذلك بدراسة التطورات والتغيرات للفرد نفسه أو للمجموعة نفسها. وهكذا، يقوم تحليل المضمون على وضع الفرضيات، واختيار العينة الملائمة للبحث، وتفريع المحتويات إلى فئات وتيمات أساسية وفرعية، وإبراز المؤشرات المضمونية، وتجريد وحدات القياس، واستثمار الإحصاء، وتمثل اختبار الصدق والثبات.
لاغرو إذا قلنا: لقد ارتبط تحليل المضمون زمنيا بظهور الإنسان بصفة عامة [1] ، واقترن أيضا بالتواصل البشري بصفة خاصة. بيد أن تحليل المضمون لم يتبلور إجرائيا إلا مع علم التفسير والشرح، ولاسيما تفسير الكتب السماوية وتأويلها، وتحليل النصوص والخطابات فهما وتفسيرا، وتوثيقها في ضوء معايير ومحكات ومؤشرات نقدية داخلية وخارجية. ونعلم جيدا أن علماء الحديث في الثقافة العربية كانوا يدرسون الحديث في ضوء منهج الجرح والتعديل، بنقد السند والمتن معا استعدادا لتفسيره وشرحه وتأويله، واستخراج منطوقه ومفهومه بغية العمل بالحديث الشريف، وتمثل دلالاته وتوجيهاته ونصائحه.
ومن ثم، يمكن القول: لقد اهتمت الثقافة العربية كثيرا بتحليل المضمون، كما يتجلى ذلك واضحا في تفاسير النصوص والدواوين الشعرية، وتفسير القرآن الكريم، واستنطاق الخطابات الفلسفية والعرفانية والكلامية. وما اهتمام العرب كثيرا بعلوم الآلة إلا لتوظيفها في تحليل المضامين، وتسخيرها في تأويل المحتويات، واستنطاق بيانات الوثائق ومعطياتها إن ظاهرا، وإن باطنا.
وقد عملت الثقافة الغربية بدورها على استكشاف مضامين الكتب السماوية، وخاصة كتاب الإنجيل، بتحليل دلالات النصوص والخطابات المختلفة والمتنوعة، سواء أكان ذلك التعامل مع المضامين ذاتيا أم موضوعيا. وفي القرن التاسع عشر،"وبالضبط سنة 1888 م بفرنسا، قام"