البشر مدين لهؤلاء الرجال بما في المجتمع من مبتكرات هي سر ارتقائه، وأن المجتمعات
التي كانوا سر حياتها قامت ضدهم على الدوام، وأنه إذا نظر إليهم أحيانًا بعين التسامح
فذلك لوقت معلوم، ويمكننا أن نعد مناحي الاشتراكية والنقابية في الزمن الحاضر عناوين
جديدة لمجهودات المجتمعات في سبيل توحيد الرجال، وجعلهم ذوي آراء، ومعتقدات،
وحركات واحدة.
وأهم الحادثات التي أشرنا إليها في هذا الفصل هي شروع المجتمعات الحاضرة في
التحول إلى زمر صغيرة مستقلة متشاكسة متشاحنة، تسعى كل منها في الانفراد؛ حتى
تخسر الأمم وحدتها، وأن روح الفرد التي عملت قرونًا كثيرةً لتنفلت قليلًا من روح
المجموع تعود إليها في أيامنا.
إذن نشاهد الآن ميل الشعوب المتمدنة إلى التقهقر نحو مزاج نفسي منحط كالذي
كان سائدًا للأجيال الأولى، وسوف تكون منازعات المستقبل الكبيرة بين زمر الأمة الواحدة
أكثر منها بين أمم مختلفة. نعم، إن فناء روح الفرد في روح الزمرة يمنح هذه الزمرة
قوة لا ريب فيها، ولكن ذلك لا يؤدي إلى رقي في المجتمع أو الأفراد، فالرجل لا يكون
قديرًا ذا نفوذ إلا إذا تحرر من ربقة روح المجموع.