فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 160

للمشاعر ذاكرة كذاكرة العقل، وإن كانت أدنى منها كثيرًا، فهي لا تلبث أن تهن بفعل

الزمان، وأما ذاكرة العقل فهي على جانب عظيم من الثبات عندما يستعان بها، حتى

أن آثارًا كبيرة ككتب الهندوس المقدسة المسماة (?يدا) ، وأغاني (هوميروس) انتقلت إلينا

جيلًا بعد جيل عن طريق ذاكرة العقل، وقد كان طلاب العلم في القرن الثالث عشر -

حيث كانت الكتب نادرة ثمينة - يحفظون عن ظهر القلب ما يملى عليهم من الدروس.

قال (أتكينسون»: (إن كتب الصين التقليدية لو محقت في هذه الأيام لاستطاع أكثر من

مليون صيني أن يجمعوها بفضل ذاكرتهم. «

ولو كانت ذاكرة المشاعر كذاكرة العقل ثباتًا، لجعل ما نحفظه من آلام حياتنا لا

تُطاق، غير أنه يعترض على عدم رسوخ ذاكرة المشاعر بدوام أحقاد الطبقات والشعوب

دوامًا مستمرًا مع تعاقب السنين، نجيب عن هذا الاعتراض قائلين: إن ذلك الاستمرار

الظاهري لم ينشأ إلا عن علل واحدة تكررت تكرارًا متصلًا. حقًا إن الحقد إذا لم

يُنَبَّه لا يدوم أبدًا، فلولا الصحف الألمانية التي كانت توقد نار الحقد في قلوب الألمان

ضد الإفرنسيين إيقادًا غير منقطع لزال ذلك الحقد، وإذا بقي الكره يغلي في صدور

الهولنديين للإنكليز الذين سلبوهم في الماضي مستعمراتهم؛ فذلك لأن حوادث كثيرة كحرب

الترنسفال أحيت ذلك الكره، ولأن هولندا تعتقد على الدوام أن إنكلترا تهددها، وتثبت

المحالفة الروسية والائتلاف الفرنسوي الإنكليزي كيف أن شعوبًا متعادية في الماضي لا

تلبث أن تنسى أحقادها إذا لم تحافظ عليها، وأغرب ما في ذلك هو أن إنكلترا أصبحت

صديقتنا في وقت غير بعيد من حدوث مذلة (فاشودا) .

يوضح المبدأ القائل بقلة استمرار ذاكرة المشاعر كثيرًا من الحوادث الماسة لحياة

الشعوب، فيجب ألا يُعتمد على شكرها، كما أنه يقتضي أن لا يُفزَع من حقدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت