فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 160

تؤثر البيئة الاجتماعية في آرائنا وسيرنا تأثيرًا شديدًا، فهي تولد فينا أدلة غير شعورية

تقودنا من حيث لا ندري، ويتألف من كتب أحد الأدوار وجرائده، ومناقشاته، وحوادثه

وسط هو مع خفائه يعين وجهة سيرنا، وفي هذا الوسط بذور لمبادئ فنية، أو أدبية، أو

علمية، أو فلسفية يكسوها أولو العبقرية أحيانًا شكلًا ساطعًا زاهرًا.

وما في البيئة من آراء متين، حتى أن الرجل الذي يغير بيئته يضطر إلى الإذعان

لآراء بيئته الجديدة، ولهذا السبب يسهل على اشتراكي فوضوي أن يصبح محافظًا

عندما يقبض على ناصية الحكم، فكل يعلم كيف استطاع (نابليون) أن يحول بسهولة

غيلان العهد الذين لم يتسع لهم المجال ليتمادوا في فصل الرقاب إلى دوكات، وحُجَّاب،

وبارونات.

تأثير البيئة الاجتماعية عام، وأما الزمرة التي ننتسب إليها فهي التي تؤثر تأثيرًا

خاصًا، وما في المرء من معتقدات، أو آراء شخصية مصدرها اختباراته وتأملاته فقليل

إلى الغاية، فأكثر الناس لهم رأي زمرتهم، أي طائفتهم، أو طبقتهم، وأهل مذهبهم، أو

حزبهم، أو أرباب مهنتهم.

إذن فلكل طبقة من طبقات الشعب - عمالًا كانوا، أم قضاة، أم ساسة - آراء

خاصة، وهذه الآراء هي مقياس لما يأتي به أفراد تلك الطبقة من الأحكام، فالأمور في

نظر هؤلاء الأفراد تكون صوابًا أو خطًا حسبما تكون ملائمة أو غير ملائمة لآراء الزمرة

التي ينتمون إليها، وإذا قبل أحد رأي زمرته فبلا جدال، وإن لم يقبله لا يستطيع أن

يعيش فيها.

ويؤدي التطور الحديث نحو الاشتراكية والنقابية إلى زيادة عدد الزمر ولاسيما التي

تدير بها الدولة احتكاراتها، وما بين هذه الزمر من تحاسد فذو جفوة، ولتلك الجفوة لا

يبدو من الزمر المذكورة سوى العداوة والإهانة، ولما لم تكن ذات تضامن يربط بعض ها

ببعض فإن انحلال مصالح الحكومة يزيد يومًا فيومًا، وهذا هو أحد الأسباب العميقة

العويصة في تقهقر احتكارات الحكومة، وقد ذكرت ذلك في كتاب سابق فأثبت أن في

احتكار الدولة لأي مشروع بلية على ماليتها.

وتباين الآراء بين زمر الموظفين التي هي بالحقيقة سيدة البلاد لخفائها يبدو

للجمهور قليلًا، وأما آراء زمر العمال فهي بالعكس ذات ضجيج يجعلها ظاهرة

منظورة، وقد أخذت أحقادها على الطبقات الأخرى تصبح عاملًا قويًا في التطور السياسي

الحديث.

وتتصور زمر العمال بتلقين زعمائها أنها وحدها هي التي أوجدت الثروة منكرة

شأن رأس المال والذكاء، وقد أصبحت أممية قائلة بمبدأ نزع السلاح، فَعَدَّ العمال لذلك

زمر الحرب وطنهم الحقيقي غير ناظرين إلى الأمم الموجودة فيها تلك الزمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت