لنفرض أن عالمًا كثير الشك والارتياب أراد أن يبحث في حوادث السحر بحثًا تجريبيًا،
فيجب عليه قبل كل شيء أن يلازم مكان السحرة؛ حيث تتجلى تلك الحوادث؛ أي أن
يزج بنفسه بين أناس مجتمعين في وسط مظلم، وبعد أن ينتظر طويلًا يسمع ضوضاء
وزحولًا في الأمتعة، ويؤكد له مجانبوه أنهم يرون وميضًا وصورًا تقمصتها أرواح ...
الخ، ولما كان هذا العالم متصلبًا في ارتيابه فإنه يخرج من دون أن يطرأ شيء على
شكوكه.
ومع ذلك فإن أمورًا تقرع ذهنه بعد الاجتماع المذكور فيلوح له أنه سمع فيه
ضوضاء غريبًا، وأن مجانبيه - وهم من أشرف الناس - رأوا وميضًا، وشاهدوا
الأمتعة تنتقل من غير أن يمسها الوسيط، فيرغب في الحضور مرة أخرى للبحث عن
أسباب تلك الحوادث.
ويعود إلى الاجتماع فيكون هدفًا للتلقين والعدوى النفسية، ثم تستحوذ عليه
الوساوس والشبهات؛ فيرى أنه لا بد من أني كون شيء خلف الحوادث المذكورة التي
سلّم بصحتها عدد غير قليل من العلماء، ثم يعود إلى الاجتماع مرات عديدة فتستأنف
تلك المؤثرات النفسية عملها فيه؛ فيتدرج إلى فقد ارتيابه حتى تغيب ملكة الانتقال فيه،
فيدخل في دائرة المعتقد راسخ الإيمان.
ومع أن ذلك التدرج دليل على تقهقر منطقه العقلي لا يعرف بالواقع فيأتي
بتجارب جديدة، مستعينًا بآلاته وأدواته العلمية، وينصب حبائل لاصطياد الأشباح،
ولكن لما كان الأشباح أمرًا لا تناله يد المراقبة فإن تجارب العلم قلما تنجح في شؤونها،
حينئذ يكتفي العالم بظواهر الأمور، وتفوته عوامل التدليس مهما تكن ظاهرة، وهكذا
حتى يتم قهر منطقه العقلي، فيعلن العالم إيمانه بالمعتقدات الجديدة على رؤوس
الأشهاد، على هذه الصورة تمت مباحث كثير من العلماء في الوقت الحاضر، ومن هؤلاء
العلماء الأستاذ الشهير (لومبروزو) الذي كان شديد الارتياب عندما باشر تدقيقاته
فأصبح شديد الإيمان في نهاية الأمر، كما يشهد بذلك كتابه الأخير.
تبين مما سبق كيف أن العلم لا يقدر على تحرير الإنسان من أوهام المعتقد، ولو
طبقنا أحكامنا على انتشار الأديان التاريخية لاتضح الأمر أكثر من تطبيقها على أمور
السحر، فالأديان تذيع في الغالب بين أناس بسطاء عاطلين من ملكة النقد، عاجزين عن
التعقل والتجربة والاختبار، وفي هؤلاء الناس قد تؤثر عوامل الإيمان ولا سيما النفوذ
والعدوى النفسية أكثر مما تؤثر في العلماء الذين يتذرعون بوسائل يمكنها أن تقيهم
فعل هذه العوامل، نقول قد تؤثر لأننا نعلم أن العالم والجاهل وإن اختلفا من الوجهة
العقلية يتقاربان من الوجهة الدينية والعاطفية في أغلب الأوقات، وقلما تكون معتقدات
العالم الشهير الدينية والسياسية والاجتماعية أعلى من معتقدات أحقر الرعاة.