فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 160

الفصل الخامس

المنطق العقلي

قد ألُّفَت للبحث عن المنطق العقلي مؤلفات كثيرة ذات فائدة قليلة، والذي يجعلنا نتكلم

عنه في هذا الكتاب هو: أولًا: إنه يمثل أحيانًا في تكوين الآراء دورًا لا بأس فيه، وثانيًا:

لبيان وجه الفرق بينه وبين أنواع المنطق الأخرى التي بحثنا عنها في الفصول السابقة،

وسنباشر بيان بعض العناصر التي يستند إليها المنطق العقلي في عمله وهي: الإرادة،

والدقة، والتأمل.

الإرادة: الإرادة هي صفة يعزم بها الإنسان على الإتيان بعمل، ولها ثلاثة أطوار: التفكير،

والقصد، والتنفيذ. وإذا أمعنا النظر فيها نرى أنها تصدر عن العقل والعاطفة معًا،

فهي تنشأ عن العاطفة؛ لأن جوهر بواعث العمل في الإنسان هي العاطفة، وهي تنشأ

عن العقل؛ لأننا - بفضل الدقة والتأمل - نمزج في روحنا صورًا نفسية يقدر بعض ها

على إبطال عمل البعض الآخر.

وخلافًا لما جاء في كتب علم النفس نقول: إن الإرادة قد تكون شعورية وقد تكون

لا شعورية، وأقوى العزائم وأشدها هي اللاشعورية، فهي التي لا يملك الحيوان وأكثر

الناس سواها، وإذا صعب علينا مشاهدة شكل الإرادة اللاشعورية؛ فذلك لأن العقل

يتدخل على الفور كي يوضح ما تنجزه تلك الإرادة من أعمال؛ إيضاحًا يجعلنا نتصور

أنه هو الذي سبب تلك الأعمال.

ويرى (ديكارت) - وقد شاطره كثير من الفلاسفة في الوقت الحاضر رأيه - أن

للإرادة كيانًا غير كيان العقل هو أصل معتقداتنا، فالاعتقاد عند (ديكارت) هو إرادة

التسليم بمبدأ يمليه العقل، أو إنكار ذلك المبدأ، وسوف أنقض هذه النظرية التي لا

الآراء والمعتقدات

يزال أكثر الفلاسفة يناضلون عنها في هذا الكتاب بأن أثبت أن المعتقد لا يكون إراديًا

أصلًا.

ويقترب (أريسطو طاليس) من المبادئ المشروحة هنا أكثر من (ديكارت) ؛ ذلك

لأنه بنى نظريته في علم النفس على التمييز بين الصفات العاطفية والصفات العقلية،

ثم قال: إن الإرادة تظهر من مزج هذين الطرفين أحدهما بالآخر، فعلى هذا الوجه

تكون الإرادة معلولة لا علة، ويكون) أريسطو طاليس (أقام العاطفة أمام العقل، مع

أن (ديكارت) أقام الإرادة أمامها.

الدقة: الدقة هي أن يحصر المرء ذهنه في شيء واحد، أو في شكل هذا الشيء الواحد، أو

في ما ينشأ عنه من بوادر فيجرد منه الموضوع الذي يهمه.

وقد عَد كثير من المؤلفين الدقة وجهًا من وجوه الإرادة، فهي على رغم كونها

خاضعة للإرادة ليست متحدة بها ذاتًا ومعنىً، وكذلك لا يجوز خلط الدقة بالعقل

الذي لم تكن الدقة سوى عنصر يستعين به.

تطبع الأشياء التي تحيط بنا طابعها على حواسنا، فلو تم شعورنا بجميعها

شعورًا متساويًا كآلة الفوطوغراف مثلًا لاشتمل دماغنا على صور كثيرة لا فائدة فيها،

ولكننا بفضل دقتنا لا ندرك الأشياء إلا بنسبة احتياجنا، وذلك بأن نحصر ذهننا في

أحد المواضيع.

ويتصف الحيوان بالدقة أيضًا، ولكن دقته غير إرادية مع أنها قد تكون في

الإنسان إرادية، وينشأ عن نمو الدقة في الرجل زيادة في قدرته العقلية، وعلى نسبة

الدقة في المرء يعظم عقله، فلولا دقة (نيوطن) العظيمة لما ذاع صيت (نيوطن) ، وإذا

تجلت عبقرية هذا الرجل بغتةً فذلك بعد دقة صابرة، وتأمل مديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت