لقد ظهرت بظهور المنطق العقلي البطيء قوة جديدة في العالم، وبهذه القوة يؤثر الإنسان
في الغالب في كفتي ميزان العلل، وقد بينا عندما بحثنا في كتاب آخر عن انحلال المقادير
كيف يصير المنطق العقلي عاملًا كبيرًا في هذا الانحلال، فبفضل ما في المنطق المذكور
من قدرة يستطيع الإنسان أن يؤثر في مجرى الأمور، وهو لعدوله بالتدريج عن الانقياد
للمؤثرات اللاشعورية التي كانت تقوده فيما مضى قد أخذ يتعلم كل يوم كيف يهيمن
عليها، ويقبض على زمامها.
وإذا كان المنطق العقلي - والإرادة تدعمه - لا يزال عاجزًا عن تقرير المصير فذلك
لأننا نجهل حتى الآن أكثر علل الحوادث، ولأن كثيرًا من أعمالنا ذو نتائج لا تتحقق إلا
في مستقبل مفعم بالطوارئ، فهذه الطوارئ ذات أخطار، وبها ينضم إلى ميزان العلل
عيارات ذات قيم مجهولة.
نستدل على ذلك بكون دهاة البشر الحقيقيين - القابضين على مصير الأمم، والذين
لا يظهر منهم في كل عصرسوى عدد قليل - مع علمهم في الغالب كيف يجعلون الكفة
راجحة، فإنهم يخاطرون بالأمور كثيرًا، وهذه المخاطرة تتجلى لنا على شكل واضح عند
النظر إلى (بسمارك) الذي استشهدنا به مرات عديدة؛ نظرًا لنفسيته التي يفيد درسها،
فقد كان المسير لهذا السياسي المحنك هو المبدأ القائل بالوحدة الألمانية، ولكن ما أكثر
المهالك التي تعرض لها، والأحوال التي عاكسته، والموانع التي عاناها في سبيل ذلك،
كان عليه في أول الأمر أن يقضي على النمسا الحربية ذات النفوذ الذي اتفق لها بفعل
ماضيها المجيد، وما ناله سنة 1866 من نصرفي معركة» صادوا «فبعناء ولعجز متناه
في قائد العدو، ثم كان عليه بعد ذلك أن يحارب نابليون الثالث الذي كان الناس يعدون
جيوشه لا تُغلب، نعم يقدر الرجل العظيم على الاستعداد لجميع تلك الأمور، ولكن من
غير أن يضمن النجاح، وبالخلق المقدام، والذكاء الواسع الخارق وحدهما تُقتَحم مثل
تلك المخاطر.
والمنطق العاطفي على الخصوص هو الذي يقذف بالإنسان إلى المخاطرة، وهو
الدعامة الأولى التي يستند إليها في القيام بمشروع يسوق إليه المنطق العقلي أيضًا، نعم
كان يوجد في اجتياز جبال الألب، وعبور بحر المانش بواسطة الطيارة خطر عظيم،
ولكن المنطق العقلي قد دعم إرادة مشبعة من حب المجد، ومن الميل إلى اقتحام المصاعب،
وغيره من العناصر ذات المصدر العاطفي فوقع ذلك الاجتياز والعبور، فالسبب في عظمة
رجال التاريخ، وأفاضل العلماء، وأكابر المفكرين، ومشاهير الربابنة هو كونهم علموا
كيف ينتفعون بجميع أنواع المنطق المسيطرة على الإنسان، ويتصرفون في ميزان العلل
الذي يتقرر فيه أمر المستقبل.
ولا تتقدم الحضارات بالجموع التي هي لُعَبٌ تسيرها الغرائز، بل بصفوة الرجال
التي تفكر لأجل الجموع وتقودها، ولم يفعل الساسة بمحاولتهم تسخير المنطق العقلي
لمنطق الجموع كي يبرر اندفاعاته سوى إحداث فوضى عميقة.
نلخص هذا الفصل والفصول التي تقدمته بالكلمات الآتية وهي: إن حوادث التاريخ
تنشأ عن توازن أنواع المنطق المختلفة وتصادمها، ولكل من هذه الأنواع في ميزان العلل
الذي توزن فيه مقاديرنا شأنه الخاص، فإذا هيمن أحدها على الأخر فإن مصير الناس
يتبدل.
والمنطق العاطفي يجعل الإنسان يسير غير متأمل وراء اندفاعاته مشؤومة، والمنطق
الديني يولد الأديان التي تلجئ الإنسان إلى الاهتمام بنجاته الأبدية، ومنطق الجماعات
يوجب جلوس طبقات الشعب الدنيا على منصة الحكم، ويرجع بهذا الشعب إلى الهمجية،
والمنطق العقلي يلقي الشكوك والريب في قلب الإنسان، ويدفعه إلى البطالة.