يوجد بجانب أخلاق العرق العامة أخلاق الفرد المتقلبة، وشأن الأخلاق في تكوين الآراء
والمعتقدات عظيم إلى الغاية، فأعقل الحكماء لا يقدر على التخلص من تأثيرها، وما في
مبادئه الفلسفية من تفاؤل أو تطير فناشئ عن خلقه أكثر منه عن ذكائه، وعليه فقد
أصاب (ويليام جيمس) حيث قال»: إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ التصادم بين العقل
البشري، وهذا الاختلاف بين الأمزجة له أيضًا شأن في ميدان الأدب، والفن، والحكومة،
والطبائع، فإذا نظرنا إلى الطبائع نرى من الناس من يبدو عليه التكلف، ومنهم من لا
يبدو عليه، وإذا نظرنا إلى الحكومة نرى بين أعضائها من هو محب للسلطة ومن هو
فوضوي، وإذا نظرنا إلى الأدب نرى بين حملة لوائه من هو لغوي مفرط، أو مغالٍ في
الأسلوب، ومن هو مبالغ في تصوير الأشياء كما هي. «
وإذا طبقنا تأثير الخلق الشخصي في الآراء نعلم لماذا بعض الناس محافظون،
وبعض هم ثوريون، فالثوريون يميلون بفعل مزاجهم إلى الثورة ضد جميع ما يحيط بهم،
غير مبالين بنظام الأمور نفسه، وتتألف كتائبهم على العموم من الذين انحلت أخلاقهم
الثابتة الإرثية بتأثير مختلف العوامل، فصاروا لا يلتئمون بالبيئة التي يعيشون فيها،
ونعتبر كثيرين منهم من فصيلة المنحطين ذوي الأمراض والعاهات الذين لم يلتئموا
بالمجتمع؛ فأصبحوا حاقدين عليه بحكم الطبيعة كما يحقد الهمجي على مدنية أكُره على
الخضوع لمبادئها.
وجيش الثوريين في الوقت الحاضريتكون على الخصوص من المنحلين الذين ضاقت
المدن الكبيرة بأمراضهم الكحولية، والإفرنجية، والحمية، والسمية ذرعًا، وعلى نسبة تقدم
الحضارة يزداد عدد هذا الجيش، وسيكون إنقاذ المجتمعات من هجماته العنيفة من
أشد مشاكل المستقبل خطرًا.
في بعض الأحيان يكون شأن أولئك العديمي الالتئام في التاريخ عظيمًا؛ ذلك لأنهم
ذوو قدرة عظيمة على الإقناع، يؤثرون بها في روح الشعوب، فالمتهوسون أمثال(بطرس
الراهب)، و (لوثر) قلبوا العالم رأسًا على عقب.