فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 160

يتعذر تكرير جميع التجارب، ولذلك يبقى مبدأ نفوذ العالم وتأثيره مرشدنا الأساسي

كما ذكرت آنفًا؛ فالناس يؤمنون بالعالم الذي اكتسب من مقامه العلمي نفوذًا كبيرًا،

فيظنون أنه لا يأتي بمزاعم مختلفة يتعرض فيها للتكذيب.

حقًا إن العالم لا يخبر بشيء يراه غير صحيح، غير أن الوهم قد يتطرق إليه

بتأثير التلقين - حتى في الأمور المضبوطة - فيظن الأضاليل التي أملته عليه مخيلته

حقائق، وأكبر دليل على ذلك حكاية أشعة (N) التي كان أشهر علماء الطبيعة يقيسون

انحرافها، مع أنه ثبت بعد ذلك أنه لا أساس لتلك الأشعة.

وقد أسهبت في بيان هذا الموضوع؛ لأنني بإظهاري الخطأ في مباحث علم الطبيعة

-التي يتوخى العلماء الضبط والدقة في درسها - أوضح السهولة التي تستحوذ

بها الأوهام على النفوس إزاء حوادث لا تنالها يد التحقيق إلا قليلًا، وإني أختار أمثلة

تشاهد في العلماء وحدهم؛ لأثبت أنه بتأثير النفوذ والتلقين والعدوى يحدث في جميع

الناس ومنهم أولو المدارك السامية معتقدات وآراء مختلة.

ومن تلك الأمثلة المؤثرة: الضلال الذي وقع فيه أعضاء المجمع العلمي منذ أربعين

سنة، وحمل (ألفونس دوده) على هجو ذلك المجمع في رواية سماها» الخالد «، فقد

نشر هذا المجمع مئات من الرسائل التي نسبها أحد المزورين قصيري الباع في الأدب

إلى (باسكال) ، و (غليله) ، و (كاسيني) ، وغيرهم، وحازت القبول مع ما فيها من الأغلاط

الكثيرة، والسقطات الكبيرة؛ نظرًا لنفوذ المؤلفين المنسوبة إليهم، ونفوذ المهندس العالم

الذي عرضت بواسطته، ولم يشك أعضاء المجمع حتى سكرتيره في صحتها، وظلوا على

ذلك حتى اعترف لهم المزور بأنه هو الذي لفقها، وحينئذ زال النفوذ، وأعلنوا أن أسلوب

الرسائل ركيك جدًا بعد أن عدوه من أفصح الأساليب، وقالوا: إنه خليق بأولئك المؤلفين.

قد يقال: إنه يصعب على أولئك الأعضاء أن يحققوا أمرًا ليسوا متخصصين به،

فحكموا حسبما لزميلهم من التأثير والنفوذ، نجيب على ذلك بأن نبين أن أعضاء المجمع

العلمي المتخصصين قد انخدعوا فيه أيضًا، ثم إن الاعتراض المذكور يزول عند البحث

في حوادث جديدة أخرى ضل فيها رجال متخصصون دون غيرهم.

ومن أوهام النفوذ والعدوى ما فصله منذ خمس عشرة سنة الموسيو (بيكريل)

أحد مشاهير علماء الطبيعة، وأستاذ الحكمة الطبيعية في مدرسة» -البوليتكنيك - «

في مجمع العلوم قال»: لقد ثبت من تكرار التجارب الدقيقة أنه يصدر عن معدن

الأورانيوم أشعة تستطيع أن تزيغ وتنحرف وتنعكس كأشعة الأجسام الفوسفورية «،

وعلى رغم ما أبداه أحد علماء الطبيعة في فرنسا - المعروف عند قراءة هذا الكتاب -

من الأدلة المخالفة أصر ذلك العالم المشهور على رأيه مدة ثلاث سنوات، وشاطره خطأه

في أثناء ذلك جميع علماء أوروبا، وما اعترف العلماء بخطئهم إلا بعد أن أثبت أحد

علماء أميركا - الذين لم يؤثر فيهم باطل العالم المذكور لبعد الشقة بين البلدين -

أن تلك الأشعة لا تنحرف، ولا تنعكس، وأنها شيء غير الضياء، فلو بحثنا عن أسباب

ذلك الخطأ الذي ران على العلماء ثلاث سنين لرأينا أنها نفسية بحتة.

وتاريخ أشعة (N) التي ألمعنا إليها آنفًا بارزٌ، يتجلى فيه شأن النفوذ والتلقين

والعدوى النفسية، وليست حكاية هذه الأشعة كحكاية الأمثلة السابقة التي سلم بها

الناس من دون تحقيق، بل صرح كثير من علماء الطبيعة بأنهم حققوا أمرها بالتجربة.

ظن أحد أساتذة الحكمة الطبيعية المشهورين الموسيو (بلوندلو) أنه شاهد كثيرًا

من الأجسام تنشر أشعة خاصة نعتها بأشعة (N) ، يمكن قياس تموجها بضبط ودقة،

وبما أن العالم المذكور ذو نفوذ كبير سلّم أكثر علماء فرنسا بصحة زعمه غير مجادلين،

وقد كرروا التجربة ذاتها بأنفسهم فرأوا صحة ما تلقنوه، ثم إن مجموع العلوم رأى

أن يكافئ صاحب ذلك الاكتشاف الخطير فأوفد كثيرًا من أعضائه - ومنهم العالم

الطبيعي (ماسكار) - إلى المكتشف كي يحققوا عنده صحة مباحثه، فعادوا مشدوهين

بما شاهدوه منه، ومنحه المجمع جائزة قدرها خمسون ألف فرنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت