فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 160

إن (بركسون) وإن أصاب في تفريقه بين الغريزة والعقل، لكنه لم يصب كبد الحقيقة

تمامًا؛ إذ يوجد كثير من الغرائز هي عادات عقلية، أو عاطفية تراكمت بالوراثة، وأما

التفريق بين حوادث الحياة بسيطة كانت - كالجوع والحب - أم معقدة - كالتي

تشاهد في الحشرات - وبين الذكاء فصحيح.

والبحث عن بعض الغرائز كثير الصعوبة، ولا يتم استقراؤها على شيء من الوضوح

إلا بترك جميع ما في كتب علم النفس المزاولة من أفكار، حقًا يقتضي التسليم بأن

الموجودات الدنيا تسير في بعض الأحوال كما يسير الإنسان المسوس من عقل عال، وذلك

حسب طرق نجهل كنهها، ولكننا لا نجحدها لمشاهدتنا لها، ولا تظهر هذه الدراية في

الموجودات التي هي على شيء من التقدم كالحشرات مثلًا، بل تشاهد أيضًا في الموجودات

الأولية كالخليات التي لا شكل لها ولا جنس، والتي تدل على بزوغ فجر الحياة، فالخلية

المائية - أي الكرية التي تكونت بذاتها من حُبيبات حية - هي بعزمها على مسك قنيصة

تأتي بأعمال تناسب غايتها، وتتحول بحسب الأحوال كأنها ذات تمييز وإدراك، وقد

صرح (داروين) عندما حقق سعي بعض الحشرات الدقيق في المحافظة على البُيَيْضَات

التي تخرج الديدان منها على شكل غير شكلها،» أن التأمل في هذا الموضوع عقيم «لا

شك في أن نواميس منطق الحياة وقواعده متعذر إدراكها، ولكنه يجب علينا أن نحقق

نتائجها بضبط ودقة؛ كي نثبت أن هذه النتائج غير صادرة عن قدرة عمياء يعبر عنها

بالغريزة.

وليس ما هو أكثر بصيرة وحذقًا من سلسلة منطق الحياة، وكنه هذا المنطق مع

كونه لا يزال مجهولًا إلا أن تعيين وجهته سهل هين، فغايته أن توجد في الشخص وسائل

ضرورية سواء لبقائه بالتناسل، أو لملاءمته الأحوال الخارجية، والوسائل المذكورة هي

من الإتقان والإحكام بحيث لا تبلغها الآمال والهمم، فقد بين كثير من علماء الطبيعة -

مثل: (بلانشار) ، و (فابر) ... إلخ - دقة أعمال الحشرات وقوة التمييز فيها واستعدادها

لتغيير سيرها حسب الأحوال؛ فقالوا: إنها تعلم كيف تحول خواص المواد الغذائية التي

هيأتها لدوادها حسبما تكون ذكرًا أو أنثى، وأنه يوجد أنواع من الحشرات غير ضارية،

ولكن لما كان دوادها لا يعيش إلا من الفرائس الحية، فإنها تشلها على وجه لا تتفسخ

فيه حتى تنقب الدوادُ البيض فتخرج منها وتفترسها، ثم يعترف (فابر) بأنه يوجد في

الحشرة - عدا غريزتها التي تدير أعمالها النوعية الثابتة -شيء من الشعور والاستعداد

للكمال، غير أنه لم يجرؤ على تسمية هذا الاستعداد الأولي بالذكاء، فأطلق عليه اسم

«قوة التمييز» ويصدر عما يوصفه (فابر) بكلمة التمييز نتائج يتعذر على أمهر العلماء،

وأكثرهم براعةً أن يفعل مثلها، ولذلك قال: «مستنتجًا إن الحشرة بصحوها تلقي العجب،

والدهش فينا.»

ومثل هذه الحوادث العديدة التي شاهدها العالم (غاستون بونيه) - أحد أعضاء

المجمع العلمي - في النمل والنحل جعله يسند إلى الحشرات صفة سماها (إدراك الجمع) ؛

وتتغير هذه الأوامر حسب معلومات، «لجنة القفير المدبرة» فقد أبان أن النحل تطيع أوامر

الباحثين عن طبائع النحل الذين يرودون كل صباح الضواحي والأرباض، ومتى تغادر

النحلة القفير فإنها تنفذ الأمر تمامًا، فإذا أرسلتها اللجنة تفقد الماء في حوض، وكان

يُرش على جانب هذا الحوض شراب أو عسل هدرًا فإن النحلة لا تلتفت إلى ذلك الشراب

أو العسل، والنحل الذي فوض إليه أمر اجتناء رب النبات لا يعبأ بالطلع واللقاح ... الخ.

وكيان هذه الحشرات الصغيرة الاجتماعي منظم إلى الغاية، قال المؤلف المذكور:

«مثل القفير في نظامه كمثل نظام الاشتراكية الحكومية المسوية حيث لا حب، ولا إخلاص،

ولا رحمة، ولا إحسان؛ فكل واحد مرغم على الرزوح تحت أثقال العمل المتواصل في سبيل

المجتمع.»

تلقي تلك الحوادث التي كثرت مشاهدتها بلبلة في أنصار علم النفس العقلي القديم؛

لأن الحوادث المذكورة وإن كانت توضح سابقًا بكلمة الغريزة إلا أن التحقيق أثبت أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت