بما أن لُحْمَةَ الخلق تتألف من مشاعر أساسية فإن تطور المشاعر المذكورة يقع ببطء على
مر القرون كما يؤيد ذلك ثبات الأخلاق القومية، فالعناصر النفسية التي هي مصدر هذه
المشاعر راسخة رسوخ العناصر التشريحية، ولكن يوجد حول الأخلاق الأصلية أخلاق
ثانوية تستطيع أن تتغير حسب الزمان والبيئة.
والذي يتبدل على الخصوص هو الموضوع الذي تطبق عليه المشاعر، فما حب الأسرة،
ثم القبيلة، ثم المدينة، ثم الوطن إلا تطبيق مشاعر واحدة على جموع مختلفة، ونعد
المذهب الأممي، والمذهب السلمي عبارة عن انتشار جديد لتلك المشاعر، كانت الحمية
الوطنية قبل قرن مجهولة في ألمانيا على وجه التقريب، فقد كانت ألمانيا منقسمة إلى
دويلات متنافسة، وإذا عُدَّ حب الاتحاد بعدئذ في ألمانيا فضيلة فإن هذه الفضيلة ليست
سوى ذيوع مشاعر قديمة بين طبقات جديدة.
الأحوال العاطفية هي من الثبات بحيث يتطلب تطبيقها على مواضيع جديدة جهودًا
عظيمة، فقد أوجب نيل شيء من التسامح قتل ألوف من الشهداء، وسيل الدماء كالنهر
في حومة الوغى كما قال الموسيو (لا?يس) .
ومن الأمور الخطرة في حياة الشعب هو أن يسعى هذا الشعب مستعينًا بالعقل في
إيجاد مشاعر متناقضة للمشاعر التي رسخت فيه بفعل الطبيعة، فها نحن نعاني نتائج
ثورتنا الكبرى حتى الآن، إذ أفضت هذه الثورة إلى انتشار الاشتراكية التي تزعم أن من
الممكنات تغيير مجرى الأشياء الطبيعي، وتجديد روح الأمم.
ولا يعترض على المبدأ القائل بثبات المشاعر كوننا نشاهد في بعض الأحيان تقلبات
فجائية في شخصية الإنسان، كانقلاب الإسراف إلى بخل، والحب إلى حقد، والتعصب
الديني إلى تعصب للإلحاد ... الخ، فهذه التقلبات لم تكن إلا تطبيقًا للمشاعر الواحدة
على موضيع مختلفة.
وتوجد عوامل متنوعة - كمقتضيات الاقتصاد مثلًا - قادرة على نقل مكان
مشاعرنا دون أن تبدل شيئًا فيها، ونذكر من بين مقتضيات الاقتصاد كون انتشار
الملكية بين كثير من الناس يؤدي إلى تناقص عدد المواليد، فلو أصبح جميع أبناء البلاد
مُلَّاَّكًَا لقل عدد السكان أكثر من ذي قبل على ما يحتمل.
لا تبدل المشاعر التي هي أساس الخلق وجهتها من غير أن تنقلب حياة المجتمع
رأسًا على عقب، فما مصدر الحروب الدينية، والحروب الصليبية، والثورات إلا ذلك
التبدل، والذي يجعلنا في الوقت الحاضرنرى جو المستقبل مكفهرًا هو أن مشاعر طبقات
الشعب أخذت تحول وجهتها، فقد أصبح كل واحد - بفعل أوهام المذهب الاشتراكي -
ساخطًا على نصيبه، معتقدًا أنه يستحق نصيبًا آخر أطيب منه، وقد صار العامل يظن
أن الطبقات القائدة مستغلة، ولذا صار يحلم بالاستيلاء على أموالها عنوة.