لم ينحصر تأثير الآراء الشعبية في الوقت الحاضر وحده بل أجرى حكمه العظيم في
أدوار التاريخ المختلفة، والسبب في كوننا لم نطلع على ذلك هو أن تاريخ الأمم لم يبحث
إلا عن الملوك، فكأن ما حدث في أيام دولتهم من وقائع وأعمال قد تم بمشيئتهم، ومع
أن الكتب أغفلت أمر البحث في تأثير الآراء الشعبية فإن شأن هذه الآراء كان عظيمًا في
جميع الأزمنة، ومتى يأخذ التاريخ في درس هذه الشعوب بعد أن يفرغ من الاهتمام
بأمر الملوك يظهر لنا أن الجموع هي التي أوجبت بالحقيقة وقوع الحوادث الخالدة
كالحروب الصليبية، والحروب الدينية، وملحمة (سان بارتملي) ، وإلغاء مرسوم (نانت) ،
وإعادة الملكية، وتوطيد حكم (نابليون) ... الخ. فلولا الآراء الشعبية لما استطاع ملك
أن يأمر بوقوع مذبحة (سان بارتملي) ، ولما قدر (لويس الرابع عشر) صاحب السلطان
المطلق على إلغاء مرسوم (نانت) .
ومن غير أن أخوض غمار التفصيل في الموضوع أكتفي بأن أشير إلى أن(لويس
الرابع عشر)لم يفعل تلك الفعلة إلا بتأثير الرأي العام، قال (فاغيه (»:لا شيء يدل على
الشعبية مثل إلغاء مرسوم (نانت) ، فهو تدبير أملته السيادة القومية، وهو عمل جارت
به الأكثرية على الأقلية، وهو أسلوب ديموقراطي من كل وجه. «
إن أكثر الحوادث التي سعى الجموع في وقوعها هي أشد حوادث التاريخ شؤمًا،
ومن حسن الحظ أن البلايا الصادرة عنها قليلة، والفضل في ذلك لصفوة الرجال الذين
ضعف نفوذهم الآن، ولكنه كان قبلًا قادرًا في الغالب على تحديد تقلبات العدد وهيجانه.