فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 160

المعتقد هو إيمان لا تطلب لثبات أمره أدلة، وكثيرًا ما لا يتحقق بالأدلة، ولو قام

الإيمان على الدليل العقلي وحده لكان عدد المعتقدات التي ظهرت على مر الأجيال قليلة،

وبراهين المؤمنين في الغالب صبيانية بالنسبة إلى العقل، ومع ذلك فليس من خصائص

العقل أن يقضي فيها لاشتقاقها من عناصر دينية، أو عاطفية لا صلة بينه وبينها.

ولما كان العقل غير مشترك في تكوين المعتقدات فإنه لا حدّ لسرعة التصديق في

المؤمن، ولا يتخيل المؤمن أنه يعتقد الأشياء من غير برهان، بدليل أنه يستشهد بالبراهين

على الدوام، غير أن هذه البراهين التي يقنع بها تدل على ما فيه من سذاجة متناهية،

وسرعة تصديق متأصلة.

ويتجلى لنا هذا الأمر من مطالعة الكتب التي بحثت عن الوسائل التي استعان

بها القضاة المنعوتون في الماضي بالجهابذة لكشف السحرة، فإنها تدل مع رسائل

علم اللاهوت على الهوة العميقة بين الدليل الذي يتطلبه العلماء، والدليل الذي يقنع

به المؤمنون المقذوف بهم في دائرة المعتقد، ولا فائدة من إيراد كثير من الأمثلة على

ذلك، فإنها كلها تشابه ما حدث في الدعوى التي أقيمت على الكاتب (ألبانو) الإيطالي،

فقد استُشهد على أنه تعلم» سبع المهن الحرة «من سبعة عفاريت من الجن باكتشاف

زجاجة علاج مركب من سبعة أدوية مختلفة في بيته، ومع كونه في الرابعة عشرة من

عمره، فقد أوشك القضاء أن يحكم عليه بالحرق حيٍّا لو لم يمت فجأة بفضل حماته

من العفاريت!، حينئذ اكتفى القضاء بنبش قبره، وحرقه ميتًا في أحد الميادين العامة.

وقد ندر حرق السحرة في عهد (لويس الرابع عشر) ، ولكن ما من أحد كان ينكر

قدرتهم، وقد كشفت قضية الساحرة (?وارين) أن أكابر ذلك الوقت - ومنهم المارشال

(دولكسنبرج) ، وأسقف (لانغر) الذي كان واعظ الملكة الأول - كانوا يعوذون بقدرة

السحر، وإلى هذه القدرة طلب المطران (سيميان دو جورج) أن تعطيه حبل روح

القدس الأزرق!

وما يقصه العرافون والرمالون في الزمن الحاضر من اتصالهم بعالم الشياطين

يثبت لنا أنه لم يذهب شيء من بساطة الإنسان، وسرعة تصديقه، ومن أغرب ما

علمناه أن أحد الوزراء المعروفين بعداوتهم للإكليروس لا يخرج من بيته إلا حاملًا حبل

مشنوق، وأن أحد سفرائنا لا يأكل على خوان عليه ثلاثة عشر مدعوًا، فهل وثنية أمثال

هذين القطبين أرقى من المعتقدات الدينية التي يحاربونها بما أوتوا من قوة؟ لا شك لا.

ويشعر المؤمنون في كل وقت بضرورة إيجاد براهين يدعمون بها إيمانهم كي

يهدوا الكفرة على الأقل، وما بذلوه ويبذلونه من المساعي العظيمة في وضع مؤلفات

لعلم اللاهوت يثبت لنا درجة سيطرة هذه الضرورة.

إنهم - عدا ما يذكرونه في كتبهم من المعجزات البينات - يعدون الإجماع العام

برهانًا ساطعًا على صحة دينهم، ولم يتردد بعض الأفذاذ ك (بوسويه) في انتهاج تلك

الطريق، فلما اعتبر هذا الحبر الشهير الآراء الفردية خطرةً جديرةً بالازدراء قال: إن

الشعور العام هو على الحق، وإن المذهب يكون صحيحًا بعد أن يتفق الجمهور على

صحته، وإن الفرد لا يكون مصيبًا وبقية الناس مخطئون، وما كان خطل هذه البرهنة

ليبدو لو لم تثبت مبتكرات العلوم أنها لم تظهر إلا لأن المرء وهو منفرد على حق أكثر

من الجموع الحافلة والجماهير الحاشدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت