فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 160

لا استمرار في اللذة والألم، فمن طبيعتهما الوهن السريع، ولا يحدثان إلا ليكونا غير

مُطبقين، فإذا استمرت اللذة فلا تبقى لذة، وينقص الألم إذا اتصل ولم ينقطع، وقد

يصير نقصان الألم لذة.

وعليه فاللذة ليست لذة إلا إذا لم تتصل، ولا تكون اللذة معروفة إلا إذا قيست

بالألم، وقول بعض هم وجود لذة أبدية كلام خال من كل معنى كما ذكر أفلاطون، فالآلهة

على رأي أفلاطون لا تعرف الألم، ولذلك فإنها لا تشعر باللذة.

وتقطع اللذة والألم هو نتيجة ناموس عضوي قاضب جعل التبدل أساس الإحساس،

فنحن لا نشعر بالأحوال إذا اتصلت، ولكننا نشعر بالفروق بين الأحوال التي تقع في

آن واحد، أو التي تقع متوالية مترادفة، فطقطقة الساعة مهما تعلُ لا تلبث ألا تسمع،

والطحان لا يفيق من جعجعة رحاه، بل من انقطاعها، ولهذا السبب فإن اللذة بامتدادها

تصبح غير لازمة ما لم تنقطع، وسرعان ما يصير نعيم الفردوس الذي يحلم به المؤمنون

غير جاذب إذا لم يتنقلوا مناوبةً من النار إلى الجنة ومن الجنة إلى النار.

واللذة أمر نسبي تابع للأحوال، أي أن ألم اليوم قد يصبح لذة في الغد والعكس

بالعكس، فيصير ألم الرجل الذي أكره على أكل كسرات خبز يابسة بعد أن تغذى غذاءً

وافرًا لذةً إذا ترك أيامًا في جزيرة جرداء على أن يأكل من تلك الكسرات.

وقد أصاب المثل العامي القائل»: إن الإنسان يتمتع باللذة التي تروقه حيث يجدها «،

فلذة العامل الذي يشرب صاخبًا في الحانة تختلف عن لذة المتفنن والعالم والمخترع

والشاعر - وقتما يجدّون في أعمالهم - اختلافًا كبيرًا، ولا ريب في أن اللذة التي حصلت

ل (نيوطن) من اكتشافه سنن الجاذبية هي أعظم من اللذة التي تحصل له لو انتقلت

إليه نساء كثيرات من نساء الملك سليمان.

ويظهر لنا شأن اللذة والألم ظهورًا واضحًا عندما نتخيل الأرواح التي يعتقد

وجودها المؤمنون بأكثر الأديان، فلما كانت هذه الأرواح عاطفة من الحواس والمشاعر

فإنها لا تبالي باللذة والألم، ولا تعرف شيئًا من بواعث حركتنا، وما كان يقلقها من

أكدار أحبائها وشدائدهم لا يؤثر فيها، ولا تشعر لهذه العلة بحاجة إلى مناجاتهم، ومن

هنا نقول: إن وجود هذه الأرواح وهم لا أساس له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت