فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 160

المشاعر خيرًا كانت أم شرًا تنتشر بالعدوى، فلذا نرى الوسط ذا تأثير عظيم في التربية،

ولقد أصاب من قال:

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي

وبتأثير العدوى النفسية تأسست جماعة مجرمة كبيرة من الشبان الذين طردوا

من المصانع، فلما أعيت هؤلاء الحيل في بدء الأمر، ولم يكن لهم عمل سوى الجولان

في الأسواق اختلطوا بزملاء يسرقون من معارض السلع ما يسهل نشله فقلدوهم، وقد

كثرت أهمية هذه الأسلاب بالتدريج، فتشكلت جمعيات تشبه العصابات في غايتها،

وهكذا لا يلبث الجوَّال أن يتخذ اللصوصية مهنة فيعرض نفسه للسجن، وقد يبلغ

رضاه بمصيره الذي هو ابن العدوى مبلغًا لا تنفع معه أشد الزواجر.

وتنشأ العدوى الجارمة أيضًا عما تنشره الصحف من حوادث القتل المحركة

للمشاعر، فقد كان ل (جاك) باقر البطون كثير من المقلدين في مدن إنكلترا.

والحوادث التي تدل على العدوى النفسية غير محتاجة إلى إيضاح، غير أن القرار

المشهور الذي قرره مجلس الوزراء، والقائل بإدخال الرعاع في سلك الجندية يدلنا على

مقدار جهل الحكومات لأمر تلك العدوى.

والخوف هو أشد المشاعر سريانًا بالعدوى، وليس شأنه الكبير في حياة الأفراد

والشعوب بالأمر المجهول، فهو وإن لم يكف لإيجاد الآلهة كما قال (لوكريس) فإن

تأثيره بادٍ في تكوينها، وهو لمحافظته على نفوذه الذي كان له في بدء التاريخ يوجب

الهزيمة في الحروب، وكثيرًا ما يدفع المرء إلى الانتحار، فالرعب الذي أحدثه النجم المذنب

الأخير الذي قيل إنه سيصدم الأرض جعل بعض الناس ينتحرون، والخوف لا يُسير

الأفراد والجماعات فقط، بل يسير رجال السياسة أيضًا، وقد أثبتُّ في كتابي المسمى

«روح السياسة» أن الخوف هو علة كثير من القوانين التي سنت منذ عشرين سنة،

والتي لا تزال تأتي بنتائج مشؤومة، ويمكننا أن نقول: إن شبح الخوف في أيام الفتن

هو الذي يتسلط على المجالس السياسة؛ فيملي عليها آراءها وانتحاءها، وعنه صدرت

أشد تدابير دور العهد قسوة، وبتأثيره كان (كاريه) يقتل ضحاياه شر قتل، وكان

(فوكيه تنفيل) يرسل المتهمين إلى المقصلة زرافات ووحدانًا.

وأكثر الانفعالات تنتشر كالخوف بالعدوى، ويعرف أعاظم الخطباء ذلك، فليس

سبب اقتراع مجلس النواب لإسقاط وزارة (كليمانسو) سوى انفعال نفسي أحدثه أحد

خطباء المعارضين في النواب بفعل العدوى، وكذلك حركات الرجال، وبيانه، وأوضاع

وجهه ذات تأثير في المخاطب بالعدوى، فمن الحكمة أن يكون الرجل ذا وجه طليق

عند الاستعطاف بدلًا من أن يقطب؛ إذ إنه بعدوى ذلك يستميل في الغالب مخاطبه،

ويكسب عطفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت