عدم التسامح هو إحدى صفات المعتقدات العامة الثابتة، وكلما كان المعتقد قويًا قل
تساهله، فالناس بعد أن يدخل إيمان في قلوبهم لا يصطبرون على من ليس عليه، هذه
هي سنة أجرت حكمها في جميع الأجيال، ولا تزال تجريه، وكل يعلم درجة ما يصل
إليه المعتقدون من صولة دينية كفارًا كانوا أم قانتين، فالحروب الدينية، ومحكمة
التفتيش، وملحمة ال (سان بارتملي) ، وإلغاء مرسوم (نانت) ، والهول الأكبر، واضطهاد
الأكليروس في الوقت الحاضر ... إلخ أمثلة على تلك الصولة.
وإذا كانت لتلك السنة شواذ نادرة سهل إيضاحها، فالرومان لم يعترفوا بآلهة
مختلف الشعوب التي دخلت في مذتهم إلا لأن هذه الآلهة في نظرهم عبارة عن سلسلة من
الموجودات العلوية يجب اجتذابها بالعبادة، وكذلك البوذية فإنها لم تؤد إلى اضطهاد؛
إذ هي متساهلة بما تأمر الناس به من التجرد عن الرغائب، والشهوات، وباعتبارها
الآلهة والموجودات أوهامًا لا أهمية لها، وليس من سبب يجعلها عديمة التسامح.
إذن مثل هذه الشواذ توضح نفسها بنفسها، وليس فيها ما يناقض الناموس العام
القائل: إن المعتقد عديم التساهل بحكم الضرورة.
والمعتقدات السياسية هي كالمعتقدات الدينية في عدم تسامحها، فليس من يجهل
الشدة التي أباد بها رجال العهد الذين اعتقدوا أنهم على الحق المطلق خصوم إيمانهم
السياسي، وأنصار إلاهة العقل في الوقت الحاضر هم كهؤلاء شدة وتعصبًا وتعطشًا إلى
القرابين البشرية، وستظل كلمة القديس (طوماس) الآتية مبدأ لكل مؤمن حقيقي وهي:
«إن الإلحاد إثم يستحق صاحبه القتل» ، ولذلك أصاب الموسيو (چورچ صوريل) ؛ حيث
أنبأ بأن أول عمل تأتي به الاشتراكية هو قتل أعدائها بلا رحمة، وإلا فكيف يستقيم
أمرها حينًا من الزمن إذا لم تفعل ذلك؟
وعدم التسامح في أمر المعتقد، وما ينشأ عنه من الاضطهاد ليسا عند العوام أقل
منهما عند المتعلمين، بل قد يكونان عند هؤلاء أنمى وأكثر استمرارًا، قال) ميشليه: (
«أعجب أحيانًا من قسوة المتعلمين الشديدة التي قد لا يأتي بمثلها من هم أقل علمًا
وأدنى معرفةً.»