فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 160

الباب السادس

آراء الجموع ومعتقداتها

الفصل الأول

تكوين الآراء بتأثير الجموع

الجموع لها شأن كبير في تكوين كثير من الآراء، وهي الناظمة لها، وليس عند أكثرية

البشر الساحقة سوى آراء الجموع، حتى أن أغلب الناس استقلالًا لهم ما لزمرهم

الاجتماعية من آراء. وقد بينا ذلك سابقًا، وسيظهر الآن على شكل أوضح عندما نبحث

عن المؤثرات الاجتماعية في تكوين آرائنا ومعتقداتنا، وهذه المؤثرات هي: العرق، والبيئة،

والعادة، والزمرة.

فلنباشر في البحث في تأثير العرق: دلت التجربة والاختبار على أن للأمم ذات الماضي

الطويل آراء ومعتقدات واحدة في بعض المواضيع الأساسية، وتظهر هذه الوحدة بعد

تكوين روحها القومية، ولاختلاف هذه الروح باختلاف الأمم فإن الحوادث الواحدة

توجب في الأمم المختلفة انعكاسات متباينة.

ليس اليوم ما يسمونه العروق الخالصة موجودًا بالمعنى العلمي الصحيح، وإنما

لما خضعت أمم تنتسب إلى جنس واحد، أو إلى أجناس كثيرة متقاربة قرونًا طويلة

لمعتقدات واحدة، وأنظمة واحدة، وقوانين واحدة، ولغة واحدة تكون منها عرق تاريخي

كما فصلت ذلك في كتاب آخر، حينئذ صار لهذا العرق في كثير من المواضيع - سياسية

كانت أم أخلاقية أم دينية - أفكار ومشاعر مشتركة أصبحت راسخة في النفوس بحيث

يسلم بها جميع أبنائه غير مجادلين.

إذن ليست روح الشعب عبارة عن تصور نظري، بل هي حقيقة ذات حياة تكونت

من تقاليد، وأفكار، وأساطير، وخيالات متكاثفة في النفس تكاثفًا إرثيًا، وحسب متانة

هذه الروح تكون قوة الشعب.

وإذا كان اتحاد الناس ناشئًا عن فتوحات قسرية فإنه يتكون منهم مجموع مؤقت

سريع الانحلال ماداموا عاطفين من روح قومية، وإذ لم ينالوها يظلون برابرة؛ لأن

القضاء على مقومات الماضي النفسية يؤدي حتمًا إلى وقوع الشعب في طور الهمجية.

ويكون اختلاف الآراء عند الأمة ذات الروح القومية المتينة في المواضيع التي لا أهمية

لها، وأما في الأمور الكبيرة فإنه يحدث عندها إجماع في الرأي، وقد أتى الإنكليز بمثال

بارز على ذلك في حرب الترنسفال، فإنه عندما توإلى انكسار الجيوش البريطانية أمام

فلاحي البوير سنحت لجرائد الحزب المعارض فرصة مهاجمة الوزارة، ولكن ذلك لم

يخطر على قلب كاتب، ولو خطر على باله لردعته روحه القومية عنه.

ولا تتجلى الروح القومية إلا فيما يتعلق بالمنافع العامة العظيمة، وهذه الروح لا

تمنع الأفراد من أن يكونوا ذوي آراء شخصية ذات ثبات، كما أن صفات النوع في التاريخ

الطبيعي لا تمنع ذلك النوع من اتصافه بصفات الجنس الذي يشتق منه.

قد لاحظنا آنفًا أن تكوين الروح المشتركة لا يتم إلا في الأمم التي لا يختلف بعض ها

عن بعض إلا قليلًا، فإذا كانت على اختلاف كبير فإنها لا تلتحم؛ لأن أفرادها لما كانوا

مختلفين روحًا فإن تأثير الأشياء الخارجية فيهم يكون متباينًا، وهذا ما يمنعهم من أن

يكونوا ذوي آراء مشتركة في أي موضوع، فحال التشيك والمجر في النمسا، والإيرلنديين

في إنكلترا يؤيد صحة هذا الناموس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت