فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 160

ثوران الآراء كناية عن اتجاه انفعالات الناس الفجائية نحو غرض واحد، وقلما ينشأ

عن حوادث وقعت في غضون أحد الأدوار الطويلة مثل هذا الثوران، وهو يظهر بتأثير

حوادث عاطفية تقع بغتةً، أو بفعل بضعة ألفاظ ينطق بها رجال نافذون قادرون على

تحريك المشاعر.

ولم يكن أعاظم الأبطال في التاريخ ك) بطرس الراهب (، و) جان دارك (، و) محمد

صلى الله عليه وسلم (، و) لوثر (، و) نابليون(هم الذين سببوا وحدهم ثورانًا في الآراء،

بل نشاهد كل يومحدوث ثوران فيها، وإن كان على مقياس ضيق، مثال ذلك: ما نشأ عن إعدام الفوضوي

)فيرير (من ثوران أقام باريس وأقعدها، وما أوجبه اجتياز طيار بحر المانش أول مرة

من الوقع العظيم في أرجاء أوروبا.

وتكون المجالس السياسية عرضة لثوران الآراء بوجه عام، قال (إميل أوليفيه) :

لا يدرك من لم يكن له كرسي في المجالس أمر تلك الحركات الفجائية التي تزحزح»

الأكثرية في أيام الأزمة عن طريقها، فتجعلها تنبذ الرأي الذي استحسنه قبلًا لتقترع

لرأي آخر يناقض الأول مناقضة تامة. «

لقد بينت آنفًا كيف استطاع (بسمارك) بحذفه بضع كلمات من برقية (إمس)

أن يحدث في فرنسا انفجارًا فكريًا أدى إلى نشوب حرب السبعين، كما أنني ذكرت أن

فورانًا فجائيًا في الرأي أوجب سقوط وزارة (كليمانسو) ، والآن أقول: إن ثوران الآراء

قد لا يتعدى حد إحدى الزمر الاجتماعية، ولكنه لا يكون حينئذ مؤثرًا إلا إذا كانت

هذه الزمرة على شيء من القوة والسلطان، فكل يعلم أن الفتنة الحديثة التي أوقدها

أحد أحزاب مقاطعة الشنبانيا أوجبت حرق كثير من معاصر الخمر الكبيرة التي آخذ

الكرَّامون أصحابها على اشترائهم المنتجات من مناطق أخرى، وما كان أمر تلك الفتنة

ليتم لو لم يشعر العصاة بقوة عددهم، وبضعف الحكومة إزاءها.

وأكثر الثورات الحديثة اشتعلت على أثر انفجار في الرأي، وإذا لم نبحث عن ثورة

4 أيلول التي حدثت عندما علم الناس خبر انكسارنا، فإننا نرى أن حادثات كسقوط

الملكية في البرتغال، وفتن برلين، وعصيان برشلونة، والانقلاب التركي ... الخ، لم تقع

إلا بغتةً بفعل مؤثرات خفيفة، وفي وقوع الثورات الشعبية فجأة ما يوجب العجب،

ويستوقف النظر؛ إذ يرى أن أكثر الجموع تشترك فيها بتأثير العدوى النفسية من غير

أن تعلم السبب الذي من أجله نشبت، ولما بين تاريخ أغلب الثورات من شبه فإننا نعد

هذا التاريخ يتجلى في عبارات الموسيو) جورج (كين الموجزة التي لخص فيها ثورة سنة

1830، وإليكها:

لقد وقع الانفجار الذي هيج باريس فجأة، فلم تمض بضع ساعات حتى»

سُدت الزقة بالمتاريس، وتنظمت كتائب مسلحة، وضربت الطبول إشارةً لجمع الحرس

الوطني، وتجمهر العمال والطلبة في الأسواق، وتسلَّم طلاب مدرسة» البوليتنيك «قيادة

العصاة، وأصبح كل باريسي شاكيًا سلاحًا، ونادى الجميع: فليسقط» شارل «العاشر!

فليسقط» بولينياك! «فلتسقط مراسيم الملك! فليحيَ الدستور! مع أن العصاة كلهم

كانوا يجهلون معنى الدستور، وما في المراسي من أحكام، فتأمل. «!

ومما يلاحظ أن الحركات الثورية تنتشر سريعًا بتأثير العدوى النفسية بين الناس

حتى بين الذين لا يهمهم أمر حدوثها، فجنود البارجات الروسية الذين تمردوا أيام

الثورة لم يرفعوا راية العصيان إلا بفعل العدوى، وإلا فماذا يهمهم كون روسيا نالت

مجلسًا نيابيًا أم لم تنل، وكون الفلاحين أصبحوا ذوي حق في اشتراء أراضٍ أم لم

يصبحوا؟

فمن أوصاف الثورة البارزة أنها تذيع بين أناس لا ينفعهم أمر نشوبها، بل قد

يخسرون كل شيء عند وقوعها، فسوف يلحق أبناء الطبقة الوسطى هلاك كبير حينما

يتم نصر لم يؤيدوه من المبادئ الاشتراكية الثورية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت