فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 160

لا يعني ثبات المعتقدات على الوجه الذي ذكرناه أنها لا تتحول أبدًا، فهي بالعكس

تتطور وإن كان أتباعها يزعمون خلاف ذلك، وسبب هذا الزعم تصريح الكتب المقدسة

باستحالة تحريف الديانة التي تدعو الناس إليها.

حقًا إن الواقع يثبت أن المعتقد سياسيًا كان أم دينيًا، أم فنيًا، أم اجتماعيًا لا يثبت

منه سوى اسمه، وقد بينت في كتابي المسمى» سر تطور الأمم «كيف تتحول الأناظيم،

واللغات، والمعتقدات، والفنون، ثم أثبت أن هذه العناصر لا تنتقل من أمة إلى أخرى

من غير أن يعتورها تبدل عظيم.

وعلى هذا فإن المعتقدات - مع ثباتها الظاهر الناشئ عن نصوصها القاطعة -

تضطر إلى التحول لتلتئم بالتقلب الذي يطرأ على نفسية أتباعها، والبيئات التي تتسرب

فيها، والتحول المذكور يقع ببطء، ولكن متى تراكم هذا التحول بتعاقب الأزمنة بدا

للعين أنه لا صلة بين نصوص الكتب أيام وضعها وبين تطبيقها على العمل عند تمام

، «فيدا» ذلك التراكم، خذ ديانة البراهمة مثلًا تر أنها ابتعدت من كتب الهندوس المسماة

وكذا أمر الديانة البوذية.

ومع أنه يصعب تعيين النواميس التي يسير عليها تطور المعتقدات فإننا نذكر ما

يأتي:

أولًا: قد يُجمع بين المعتقدات المتماثلة عند المصاقبة، وذلك كما يقع في آلهة الوثنيين

ومعتقداتهم.

ثانيًا: إذا كانت المعتقدات متباينة فالقوي منها يقضيعلى البقية، لهذا السبب استطاع

الإسلام أن يهدي عدا قبائل أفريقيا المتوحشة أمم الهند العريقة في التمدن.

ثالثًا: بعد أن يتم النصر للمعتقد ينقسم إلى فرق ومذاهب لا يحافظ كل منها على غير

مبادئ المعتقد الأساسية.

ويجدر بنا أن نطنب في بيان الناموس الثالث؛ فهو يكفي لإيضاح الكيفية التي

تتطور بها المعتقدات.

لقد لوحظ افتراق المعتقدات إلى فرق عقب انتصارها في جميع الديانات الكبيرة

كالنصرانية والإسلام مثلًا، والنصرانية - نظرًا لكونها أكثر الأديان تعقيدًا - ولدت

كثيرًا من الفروق والمذاهب» كالمانوية، والأريوسية، والنسطورية ... الخ «التي تطاحنت

قرونًا عديدة، وقد زادت ثورة الإصلاح الديني هذا التطاحن شدةً، وما لبثت فرقة

البروتستان أن انقسمت إلى مذاهب نذكر منها مذهب الإنغليكان، ومذهب (لوثر) ،

ومذهب (كال?ين) ... الخ.

وبما أن المذهب الذي هو وليد الدين يطمع بحكم الطبيعة في التغلب على بقية

المذاهب فإنه لا يلبث أن يصبح عديم التسامح كالدين الذي صدر عنه، ولذلك نعد

من الخطأ والجهل بطبيعة المعتقد اعتبار ثورة الإصلاح الديني رمزًا لانتصار حرية

الفكر، فقد كان البروتستان في أول الأمر أشد من الكاثوليك تعصبًا، وما أتى (لوثر)

وخلفاؤه إلا بمبادئ جامدة مجردة من الحكمة، مشبعة من روح التعصب الذميم، ثم

إن (كال?ين) قسم الناس إلى أخيار وضالين، فقال: يجب على أولئك أن يضطهدوا هؤلاء،

وعندما أصبح سيد مدينة (جني?) سامها سوء العذاب، فأسس فيها محكمة ضارعت

محكمة التفتيش في ميلها إلى سفك الدماء، وقد أعدم مخالفه (ميشيل سير?يت) حرقًا

بالنار.

وفي ملحمة ال (سان بارتلمي) التي تجلى فيها الخصام الديني في فرنسا قُتل

البروتستان، وأما في الأمكنة التي لهم الأكثرية فيها فأصبحوا من أشد السفاكين، وما

كان أحد الطرفين أقل تسامحًا من الآخر في الدور المذكور.

وسبب الانقسام في المعتقدات هو أن كل امرئ يميل فيها إلى مبادئ تؤثر فيه

أكثر من البعض الآخر، وبفعل هذا التأثير يحاول المؤمنون الذين لهم مزاج الرسول

أن يقيموا كنيسة صغيرة، فإذا نجحوا في مسعاهم يكونون قد أسسوا فرقة جديدة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت