فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 160

الانطباعات الأولى هي أول ما يشعر به المرء عند مصاقبته أول مرة ما جهله سابقًا من

رجل، أو حادثة، أوشيء آخر، وحيث إن التدقيق في الأمر متعب شاق فإن الناس يكتفون

على العموم بالانطباعات الأولى.

والانطباعات في بعض عناصر الحياة الاجتماعية تسير أحيانًا هي والبرهان، ولكن

يوجد عناصر أخرى تظل فيها انطباعاتنا الأولى وحدها دليلًا، ونعد من هذه العناصر

الفنون والآداب على الخصوص، ولما كانت الانطباعات تابعة لمشاعر متبدلة فإن ما تولده

في النفوس من صور وآراء يتحول بسهولة، وهذا هو سر اختلافها باختلاف الأزمنة،

والأشخاص، والشعوب، فالانطباعات الأولى التي تورثها الأشياء نفسها في أمير إقطاعي،

أو أسقف من أشياع (كالفين) ، أو رجل متعلم، أو عامي، أو عالم لا تكون واحدة، وأما

مسائل العلم التي لا تأثير للعاطفة فيها فإنه قلما يشاهد فيها مثل هذا الاختلاف، وعلة

ذلك كون أقوالنا ومبادئنا فيها لا تتم بتأثير الانطباعات الأولى.

وأحيانًا تزول الانطباعات الأولى بغتةً بتأثير انطباعات أخرى مناقضة لها، ولكنها

قد تكون قوية لا تتلاشى إلا شيئًا فشيئًا بفعل البلى والدثور.

ويقتضي اعتبار الانطباعات الأولى دلائل مبهمة، وعلائم غير صحيحة يجب نقدها،

والبحث عن حقيقتها على الدوام، وإلا فإن عدم تمحيصها - كما يفعل الناس في الغالب

-يؤدي إلى وقوع المرء في الضلال مدة حياته؛ ذلك لأنه ليس لها دعامة تستند إليها

سوى العواطف والكراهة الغريزية التي لا يرشدها أي عقل، ولأن مبادئنا في العدل

والظلم، والخير والشر، والصواب والخطأ تقوم في أكثر الأحيان على هذه الأسس الواهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت