يؤدي التطور الحديث - كما بينا - إلى تحويل المجتمعات إلى زمر صغيرة مختلفة لكل
منها مشاعر، وأفكار، وآراء مشتركة، أي روح واحدة، ولا فائدة من البحث عن قيمة هذا
التطور؛ لأن العقل لا يبدل سير الأمور، ولكن إذا لم ندرس قيمة الحوادث فإنه لا بأس
في شرحها.
يسهل علينا أن نثبت أن اندغام روح الأفراد في روح الجمع هو كناية عن عودة
إلى صفحات التاريخ الأولى التي لا نزال نشاهد مثلها عند الشعوب الفطرية المتأخرة،
فهذه الشعوب تتألف من جماعات صغيرة تدعى قبائل تتقاتل في الغالب، وشأن الفرد
في القبائل المذكورة ضعيف جدًا؛ لأن روح الفرد لم تتحرر فيها من روح المجموع، وهذا
هو السبب في كون أفراد القبيلة جميعهم مسؤولين عن عمل أحدهم.
إن معرفة هذا الأمر ضرورية لإدراك حقوق من هم على الفطرة، أو الشعوب المتأخرة
كالشعب الأنامي مثلًا، فقد لاحظ الموسيو (بول جيران) حاكم الهند الصينية أن القضاة
الأروبيين لا يفقهون حقوق تلك البلاد -على ما يظهر - لاعتبارهم فاعل الجرم وحده
هو المسؤول، وهم يعدون المبدأ القائل بعقاب رجل على فعل لم يقترفه أمرًا همجيًا
مخالفًا للآداب والذوق.
والواقع أن المبدأ المذكور لم يكن مضادًا للطبيعة عند الأناميين الذين كثيرًا ما
يعدمون رجالًا ينتسبون على قبيلة القاتل، وإن لم يشترك هؤلاء الرجال في جريمة القتل،
ولماذا يقع ذلك؟ يحدث ذلك للسبب النفسي المذكور آنفًا، والقائل: إنه لما كان أفراد أحد
الزمر الاجتماعية غير مختلفين فإنه ليس عندهم سوى روح زمرتهم الجامعة، وهذا مبدأ
عام لتطبيقه على الشعوب كلها في أوائل أدوارها.
الحقوق الأولى لا تفرق بين شخصية الفرد وبين زمرته، ولذلك تعاقب الزمرة
جميعها، أو أي قسم منها، وكيف تقرر القوانين خلاف ذلك، وهي بنت العادة؟ إن
المحكوم عليه لا يحتج على مثل تلك الحقوق التي وإن كانت ظالمة جائرة في نظر المتمدن
إلا أنها عادلة منصفة عند رجل يشعر بارتباطه بإحدى الزمر ارتباطًا وثيقًا، لا يعتقد به
إمكان فصله عنها، والأوروبيون أنفسهم يرجعون أيام الحرب إلى تلك الحقوق الفطرية
حينما يرمون الرجال المرهونين بالرصاص، مستندين إلى مبدأ المسؤولية المشتركة، ويلوح
لنا أنهم لا بد من أن يعودوا إلى المبدأ المذكور على وجه أعم إذا استمرت المجتمعات
الحاضرة على الانقسام إلى زمر كما بينا سابقًا.
وما في أفراد القبيلة الواحدة من عدم اختلاف في الروح يشاهد مثله في الجسم، وقد
أثبت بمباحثي الكثيرة في ألوف من الجماجم أن تجانس الأمة من الوجهة التشريحية
يكون عظيمًا بنسبة تقهقرنا إلى أصلها، وأن الأمة كلما تقدمت اختلفت جماجم أبنائها
أكثر منها في الماضي. وهذا ما يقارب أخبار السياح الذين يبينون أن أفراد القبيلة
المتوحشة يتشابهون تشابهًا موجبًا للحيرة، حتى إنه يصعب التفريق بين الجنسين فيهم.
وعند الأمم المتمدنة ما عند الفطريين من روح جامعة، غير أن الأرواح الفردية
تجعل تأثيرها محدودًا، فالروح الأولى هي التي سميناها روح العرق، وتظهر هذه الروح
على الخصوص في الأحوال العظيمة ذات العلاقة بمصير الشعب كله، وأما الروح الثانية
فتتجلى بالعكس في أدق أحوال الحياة اليومية المعتادة، والتراصف المذكور للروح الفردية
على الروح الجامعة هو - كما بينت سابقًا - عبارة عن حادثة نشاهد مثلها في جميع
ذوات الحياة التي يشتمل كل نوع منها على صفات خاصة غير الصفات العامة للجنس
الذي تنتمي إليه.
ولا نبحث هنا عن المساعي العظيمة التي بُذلت على مر الأجيال لتحرير روح الفرد
بالتدريج من روح المجموع التي لا مناص للمصلحة الاجتماعية من أن تحافظ عليها
بفعل المعتقدات الدينية، والبيئة، والعادات، والتقاليد، والقوانين، فإيضاح سلسلة تلك
الجهود هو تدوين صحائف التاريخ جميعها، ويعلمنا مثل ذلك البحث أن عدد الرجال
الذين استطاعوا بتعاقب الأزمنة أن يتخلصوا من نير روح المجموع قليل إلى الغاية، وأن