للتلقين سلطان عظيم على النفوس، فبه آمن مدة سنتين أفاضل علماء الطبيعة -
الذين أشرنا إليهم آنفًا - بوجود أشعة خاصة لم تلبث أن اختفت بعد أن علموا أنها
عبارة عن أوهام، وهو الذي يجعل الناس يسلمون بصحة حوادث مستحيلة كتجسيم
الأرواح بغتةً، على هذا الوجه اعتقد الكيماوي الشهير (كروكس) خروج شبح(كاتي
كينغ)من الوسيطة، مع أن هذا الشبح لم يكن غير الوسيطة نفسها، وقد قبض أخيرًا
على هذه الوسيطة في برلين عند ارتكابها جرم التدليس الذي كانت بمثله أوهمت العالم
الإنكليزي المشار إليه.
أفلا يوجد في العالم أناس ذوو قدرة عظيمة على التلقين يستطيعون أن يؤثروا بها
فيمن يحيط من الناس تأثيرًا كبيرًا؟ يظهر أن بعض الحوادث تؤيد ذلك، ومنها حوادث
الرفع التي يأتي بها الوسطاء أمام الجمهور قائلين: إنهم اقتبسوها من دراويش الهند.
وللتلقين في الأمور الروحانية تأثير عظيم إلى الغاية، وقد اعترف بذلك دعاة المذهب
الروحاني أنفسهم، فقد قال (ماكسويل»: (يلقن الحاضرون بعضهم بعضا، فلا يلبثون
أن يكون عندهم هوس جامع، ومما سمعته أن أحد الحضور أشار إلى أنه يرى نورًا
في جهة معينة، فالتفت الباقون ورأوا ما رأه، ثم أعلن رجل أنه يشاهد صورة فشاهد
الآخرون ما شاهده، هذا هو هوس الجماعة، وقد أيدت لي تجاربي الشخصية أن حاسة
البصر هي أكثر الحواس استعدادًا لقبول الانطباعات الوهمية. «
للتلقين في بعض الأحيان تأثير خارق، فقد بلغ في إغوائه للسحرة في القرون
الوسطى مبلغًا جعلهم يرضون مطمئنين بحرقهم كتكفير عن خطيئاتهم الخيالية،
ويلوح لنا أن مزاج المختبرين النفسي في الوقت الحاضر - ومنه أفاضل العلماء -
يقرب من مزاج أولئك السحرة من هذه الجهة؛ لأننا على رغم ادعائهم بأنه لا سبيل
للوهم فيهم إلا في أحوال شاذة نراهم عاجزين عن التفلت من حكمه، فليس من الهين
أن يتحرر الإنسان من ربقة المعتقد، وكلما حاول ذلك عاد إليها بفعل التلقين الذي
يستولي على عقله وبصيرته.
وقد أوضح الأستاذ (غراسيه) هذا الأمر إيضاحًا جيدًا حيث قال»: إن من الأمور
الغريبة ما يطرأ على المختبرين من أحوال غير طبيعية عندما يحاولون درس ذلك،
فبعد أن أوضح (لومبروزو) في مذكراته تجارب علمية دقيقة في أمور الطب أخذ يشرح
فيها صحة ظهور الأموات، ومناجاتهم، ورفع الأشياء من غير أن تمس كدوران (هوم)
حول نوافذ أحد القصور دورانًا أفقيًا من دون أن يلمس شيئًا، وكركض أخوي (روفو)
الصغيرين خمسة وأربعين كيلومترًا في مدة لا تزيد على خمسة عشرة دقيقة، وكتقمص
الأرواح لقسم من جوهر الوسيط تقمصًا مؤقتًا كي تبدو تامة الأعضاء، وهكذا نرى أن
«خيرة العلماء ينسون قواعد العلم ومناهجه حينما يكونون إزاء حوادث السحر
ولكن هذا الاستعداد النفسي يختلف باختلاف الأفراد والشعوب، فقد أتى الوسيط
الواحد بنتائج مختلفة في إنكلترا، وفرنسا، وإيطاليا، أي أن هذه النتائج كانت كالعدم
في إنكلترا، ومتوسطة في فرنسا، وباهرة في إيطاليا.
ويتجلى ما لتلقين بعض الوسطاء للحضور، ومنهم العلماء من التأثير الكبير
بمطالعة تقرير معهد العلوم النفسية في باريس الباحث عن الوسيطة (أوزابيا) ، وإليك
المثال الآتي الذي ننقله منه: «رجت الوسيطة (أوزابيا) الموسيو (دارسون?ال) أن يرفع
الخوان المستدير فرفعه بسهولة، ثم منعته من الرفع فلم يقدر على زحزحته، ثم وضعت
يدها على الخوان فرفعه بدون صعوبة، ثم قالت للخوان: كن خفيفًا، فرفعه على وجه
أسهل من ذي قبل.»
تثبت هذه التجربة تأثير بعض الوسطاء في الناس بواسطة التلقين، ومع ذلك
سألت مستغربًا عن تسليم ذلك العضو في المجمع العلمي بأن أحد الناس قد يكون ذا
قدرة خارقة يستطيع أن يغير بها وزن الأجسام تغييرًا متفاوتًا إلى الغاية من دون أن
يخطر بباله أن يحقق الأمر بالميزان، نعم حاول معهد العلوم النفسية أن يعيد تجاربه