فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 160

الألفاظ والصيغ من أكثر العوامل توليدًا للآراء والمعتقدات، وهي لما فيها من قدرة رهيبة

قد أوجبت هلاك أناس أكثر من الذين قتلتهم المدافع، وما في الألفاظ من قدرة فناشئ

عن أنها توقظ في المرء مشاعر دالة عليها، وقد بينت في مؤلفات أخرى ما لها من الشأن

في أمور السياسة. 1

إن قوة الصيغ عظيمة في المجالس، فبها يحرك رجال السياسة مشاعر السامعين،

ولم يلبث رئيس الوزارة الفرنسوية الموسيو (كليمانسو) أن سقط بغتةً بتأثير لفظ واحد

وكذلك خلفه، «فاشودا» أيقظ في أعضاء البرلمان مشاعر الخزي التي تكونت أيام حادثة

فإنه سقط للعلة نفسها، وللفظين الآتيين اللذين تلوكهما أفواه المشتغلين بالسياسة مثل

ذلك التأثير، وهما: التمول والصلعكة.

وقد تبلغ الألفاظ في فعلها مبالغًا تؤثر أحيانًا في أكثر الرجال تأملًا، وعندما تكون

النفس إزاء حادثة يتعذر اكتناهها فإنها تكتفي بإيجاد صيغة، فلما جهل العلماء أسرار

الحياة وعجزوا عن بيان السبب في تحول حبة البلوط إلى سنديانة، وعن بين الكيفية التي

تتطور بها ذوات الحياة اكتفوا بصيغ تقوم مقام التفسير والإيضاح.

والألفاظ توقظ في المرء صورًا نفسية، ولكن الصور المرسومة أجلب للإنسان، وإني

مقدارًا ما أوجبته الإعلانات المصورة من تأثير «روح السياسة» ذكرت في كتابي المسمى

كبير في الانتخابات الأخيرة التي وقعت في إنكلترا، وقد أدرك أرباب الصناعة والطباعة هذا

الأمر فتفننوا في استعمال الإعلانات المصورة ترويجًا لسلعهم.

وولاة الأمور أنفسهم قد اطلعوا على شأن الصور في تكوين الآراء، فبعدما قل الاكتتاب

الاختياري في كتائب الفرسان فكر منذ بضع سنين أحد رجال الحرب الواقفين على سنن

النفس في تعليق إعلانات مصورة تمثل فرسانًا نشطين يقومون بأنواع التمرينات، وعلى

رأس الإعلانات أشير إلى الفوائد التي ينالها المتطوعون، وقد كانت نتيجة ذلك أن استغنت

أكثر الكتائب فكفَّت عن قبول اكتتابات جديدة.

1 قالت جريدة الطان في عددها الصادر في 29 كانون الثاني سنة 1911 ما يأتي:

لقد أجاد الدكتور (غوستاف لوبون) - في كتابه الذي بحث فيه عن روح السياسة والاجتماع بحثًا

عميقًا - عندما أشار بحذقه النادر، وبصيرته الثاقبة إلى تأثير الألفاظ السحري في الجماعات

والمجالس نيابية أم غير نيابية، فقد أتى مجلسنا النيابي بعمل يؤيد صحة نظره، إذ إن هذا

«اللامركزية» المجلس أصبح منذ بضعة أيام مسحورًا من لائحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت