الفصل الثالث
ميزان العلل
إن ما بين أنواع المنطق المختلفة من اندفاعات متناقضة يجعلنا في الغالب نتردد في
الطريقة التي يجب أن نتبعها، وبما أن الحياة تقتضي السير فعلينا أن نختار أحد السبل،
ولكن كيف نختار؟ يتجلى لنا أمر هذا الاختيار بالمثال الآتي:
لنضع أشياء في كفتي ميزان، فإذا كان ما وضع في كل من الكفتين متساويًا، فإن
عقرب الميزان يبقى عموديًا مذبذبًا، وإلا فإنه يميل إلى إحدى الجهتين، وعدا الموازين
المادية توجد موازين نفسية مماثلة لها، فعلل السير هي عيارات هذه الموازين النفسية،
وأما عقربها فهو العمل الذي ينشأ عن وجود الكفة في إحدى أحوالها.
وقد يكون العقل أحيانًا علة السير، ولكنه ينضم في الغالب إلى العلل العقلية الشاعرة
علل لا شاعرة تثقل وطأتها على إحدى الكفتين، أي أن العلل جميعها تتقاتل، والغلبة في
العراك تكون لأقواها، فمتى تكون العلل المتقاتلة ذات قوى متكافئة، فإن الكفتين تهتزان
وقتًا طويلًا قبل أن تميل إحداهما إلى جهة، وهنالك التردد والتذبذب في الأخلاق، وعندما
تكون العلل المعتركة متفاوتة في قوتها، فإن إحدى الكفتين تميل لتستقر، وهنالك يبت
الإنسان في سيره وحركته.