تأثير العقل كبير في جميع الآراء العلمية والفنية، وأما خطأ علماء النفس والفلاسفة
فناشئ عن اعتقادهم أن للعقل مثل ذلك التأثير في الآراء العادية، وقد زعم زعماء الأحزاب
الخياليون أنهم يستندون إلى العقل في تكوين آرائهم، حتى أن رجال العهد نصبوا له
تمثالًا، وباسمه يسن فرسان البيان في الوقت الحاضر النظم والقوانين.
غير أن الاختبار يثبت أن تأثير العقل قليل لا في حياة الشعوب وحدها، بل في سيرنا
اليومي، وقد أشار (تاين) إلى ذلك فقال»: لو احتجنا إلى الاعتقاد أن الآلهة هي التماسيح
لأقمنا للتماسيح معبدًا في ميدان كاروسيل. «
وعندي أنه يظهر يوم إقامة هذا المعبد كتيبة من الأساتذة والمحامين الماهرين لتبرر
بناءه بأدلة وبراهين عقلية، فالعقل يذعن على الدوام لأكثر اندفاعاتنا العاطفية والدينية
المخالفة للصواب كي يزكيها.
والواقع هو أن الآراء اليومية تتكون مستقلة عن كل عقل، وقد لا تكون ضد العقل،
وبما أننا سنسترسل في اندفاعاتنا العاطفية والدينية التي توجب تلك الآراء، فإننا نتخيل
أن الآراء المذكورة صحيحة، ولا نسمح لأحد بأن يسفهها، ثم لو كان العقل سبب آرائنا
الحقيقي لما بدا من جميع الناس سوى رأي واحد في كل موضوع، ولكان الأمر كما في
القضايا العلمية المسلم بها لا كما في النظريات العلمية التي ليست سوى تفاسير يمليها
المنطق العقلي أحيانًا بتأثير المنطق الديني، أو المنطق العاطفي.
وكلما ابتعدنا من منطقة العلم الخالص، أي كلما مررنا من دائرة المعرفة لندخل
في دائرة المعتقد يزيد الاختلاف بين الآراء في جميع المواضيع، وقد يبدو هذا الاختلاف
في المسائل التي يلوح أن العقل هو المسيطر عليها كالأحكام القضائية مثلًا، وسنستعين
بهذه الأحوال البارزة لنثبت كيف يصعب على المنطق العقلي أن يتخلص من تأثير العاطفة
والدين.
فلنقسم الرجال الذين فُوّض إليهم أمر القضاء بين الناس كي نصل إلى هذا الغرض،
حينئذ نرى على أسفل درجة في السلم أولي النفوس الذين يتكون رأيهم بتأثير المنطق
العاطفي دون غيره، ثم نرى على أعلى درجة في ذلك السلم رجالًا ذوي أمزجة نفسية لا
تؤثر فيهم سوى براهين المنطق العقلي.
وإلى الصنف الأول ينتسب المحلفون في محاكم الجنايات، فالمحلفون لكثرة عددهم
تتألف منهم جموع، ويكتسبون ما للجموع من صفات، أي لا تؤثر الأدلة العقلية فيهم
إلا قليلًا، فيمكن تحويل قناعتهم بالتأثير في مشاعرهم، وعلى ذلك فإن المرأة التي تقترف
جناية كبيرة، ويكون لها ذرية صغار يجدِّون في طلبها باكين لا تلبث أن تصير محطًا
لتوجع المحلفين ورحمتهم، وإذا كانت المجرمة امرأة حسناء قتلت عاشقها بتأثير الحسد
والغيرة، فإن المحلفين في فرنسا يرحمونها أكثر مما يرحمون الأولى فيبرئونها، وأما في
إنكلترا فيحكمون عليها بالإعدام، وبهذه الحالة يتجلى لنا تأثير العرق في تكوين الآراء.
وفوق الصنف المذكور الذي تستحوذ عليه المشاعر يجيء قضاة المحاكم الابتدائية،
فهؤلاء من الحداثة بحيث يمكن أن تؤثر أدلة المشاعر فيهم، وإذا كان المحامي مشهورًا
فإنه يخلبهم، ومع هذا فقد يتأثرون من الأدلة العقلية، اللهم إذا لم تعترضها منافعهم
الشخصية، وأحيانًا يكون لرغبتهم في الرقي، وللعوامل السياسية تأثير عظيم في آرائهم،
ولذلك تكون أحكامهم متقلبة مشتبهًا فيها، يحدث عندي هذا الاعتقاد كون محاكم
الاستئناف تنقض ثلث أحكامهم على وجه التقريب.
ودرجة قضاة محاكم الاستئناف هي فوق درجة أولئك؛ إذ لما كان هؤلاء القضاة
أكبر سنًا وأعظم درجةً، فإنهم يخضعون لتأثير المنطق العقلي أكثر مما لتأثير المنطق
العاطفي.
ثم نشاهد على ذروة السلم قضاة محكمة النقض والإبرام، فبما أن القضاة المذكورين
طعنوا في السن فأصبحوا من الشيوخ، وصارت علائم الهرم بادية علهم، وبما أنهم أضحوا
لا يبالون بالمنافع الشخصية، ولا يعلمون للرحمة والعاطفة معنىً، فإنهم يتمسكون