فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 160

يظهر أن الإيمان بالسحر قد تلاشى أمام تقدم الأفكار العلمية، فلما جُرد السحرة

من نفوذهم خسروا اعتبارهم إلا في بعض القرى، غير أن حب الاطلاع على الأسرار،

والاحتياج إلى التدين، وأمل الحياة بعد الموت هي مشاعر قوية لا تموت أبدًا، ولذا رجع

السحر القديم باسم جديد من دون أن يطرأ على الأساس تغيير كبير، فهو يدعى اليوم

تجسيم الأرواح واستدعاؤها، ويسمى العرافون وسطاء، وتدعى الآلهة أرواحًا.

احتقر العلماء هذا المعتقد الجديد زمنًا غير قصير، ولكننا نرى أنفسنا منذ عشرين

سنة إزاء حادث مفاجئ؛ وهو أن أساتذة عبقريين أصبحوا يدافعون بحماسة عن جميع

أنواع السحر، على هذا لوجه نسمع أن بعض علماء تاريخ الإنسان الطبيعي المشهورين

مثل (لورمبروزو) يقولون مؤكدين أنهم استدعوا الأرواح وحادثوها، ونرى بعض علماء

الكيمياء مثل (كروكس) يقولون: إنهم عاشوا شهورًا طويلة مع أحد الأرواح، ونسمع

بعض أساتذة علم وظائف الأعضاء مثل (ريشه) يزعمون أنهم شاهدوا محاربًا على

رأسه خوذة يخرج من جسم فتاة، ونرى بعض علماء الطبيعة مثل (دارسونفال)

يدعون أن وسيطة قد تصرفت بثقل أحد الأشياء حسبما أراد.

لا ريب في أن هنالك علماء ليسوا أقر شهرة من أولئك ينكرون تلك المشاهدات

التي يقولون: إن التهوس مصدرها، ويسخطون على رجوع الناس إلى دور السحر

والخرافات، إلا أن الجمهور المتعلم يبقى حائرًا أمام هذه المتناقضات وهو يسأل: أمن

المحتمل أن يتيه أولئك العلماء في دياجير الضلال؟ ولماذا يقول بعض العلماء بصحة

أمور يزعمون أنهم شاهدوها مع أنه لم يشاهدها البعض الآخر على رغم تذرع هؤلاء

بمثل ما تذرع به أولئك من الوسائل والأحوال؟

لا يمكننا إدراك ذلك إلا إذا تعمقنا في البحث عن كيفية تكوين المعتقدات، وعن

شأن التلقين والعدوى في الجماعات، ومما يجدر ذكره أن الوهم قد يشتد في بعض

الأحوال حتى يختلط بالحقيقة.

ولكي أثبت سذاجة بعض العلماء المتناهية بعد أن يدخلوا في ميدان المعتقد أذكر

حادثة تجسيم الأرواح التي أمعنوا في درسها، فما هو تجسيم الأرواح؟ قال الدكتور

(ماكسويل) : «إن التجسيم هو عبارة عن قدرة الروح - سواء أكانت روح ميت، أم

روح حي - على إفراز سائل من أعضاء الوسيط لا يمكن وزنه، قابل للتكاثف، فهذا

الجوهر الذي يتحول إلى مادة كثيفة يكتسي أشكالًا مختلفة حسبما تريده الروح، وفي

الغالب تكون هذه الأشكال مماثلة لجسم تلك الروح.»

ويرى الروحانيون أنه يحيط بجميع الأعضاء غشاء من جوهر لطيف، أي أن

للإنسان - عدا جسمه المادي - جسمًا سماويًا يفترق أحيانًا عنه بعد الموت، فهذا

الجسم السماوي يتجسم تجسمًا ماديًا عندما يستعير من أحد الأجسام الحية - كجسم

الوسيط مثلًا - عناصر مادية، ومن الطبيعي أن يكون إيضاح الروحانيين مبهمًا،

مختلفًا باختلاف مخيلة كل واحد منهم، وإنما الذي نستنبطه من أقوالهم في مجموعها

هو أنه قد يظهر بغتةً من الجسم الحي جسم آخر كالجسم الأول في أعضائه وهيئته،

فإن (كاتي كينغ) الذي أخرجه الكيماوي (ويليام كروكس) كان له قلب ذو نبض

معتدل، وكانت رئتا الإنسان ذي المغفر الذي أخرجه (ريشه) تفرزان حامض الفحم

كبقية الناس، ولو أن هذين العالمين الشهيرين وغيرهما من العلماء الذين سنتكلم عنهم

لم يذهبوا ضحية الغش والتدليس لحق لهم أن يفتخروا بأنهم شاهدوا معجزات كالتي

أخرج بها رب سفر التكوين حواء من جسم آدم.

ومن دواعي الأسف أن تلك الأشباح كلما بُحث فيها بحثًا دقيقًا تبين أنها صادرة

عن تدليس، ولو لم تغر كثيرًا من أولي النفوس السامية لالتزمنا الصمت عنها.

إن منشأ أوهام العالمين المذكورين، وغيرهما من العلماء الذين قالوا مثل (لومبروزو)

إنهم استدعوا الأموات وحادثوهم هو التلقين والتدليس، ويمكننا أن نطلع على تأثير

التدليس بما وقع حديثًا ل (ميلر) الشهير الذي أظهر أشباحًا كثيرة تكلمت مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت