فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 160

العادة هي ناظمة الحس، فهي سبب الاستمرار في أفعال الإنسان لثلمها حد اللذة والألم

فيه، وبها يألف أشد المصاعب، ويتحمل أعظم الجهود، والطفل بتأثيرها يتعود تعب

الحياة عندما يكرهه سن العزلة على العيش تحت سماء الشمس.

والعادة التي هي ناظمة حياة الفرد هي دعامة الحياة الاجتماعية أيضًا، والأمر

الشاق في حياة الأمة هو أن تبتدع لنفسها عادات اجتماعية، وألا تجمد إزاء هذه العادات،

إذ إنه عندما تثقل وطأة العادات زمنًا طويلًا على الأمة لا تتخلص من ربقتها إلا بثورات

عنيفة، ولذلك وجب ألا يطول الوقوف عند حد العادة، فالمدنيات والأفراد والأمم الشائخة

هي التي إلى الرزوح تحت أثقال العادة وقتًا كبيرًا، ومن العبث أن نتكلم في شأنها كثيرًا،

فلقد جلبت نظر جميع الفلاسفة، وصارت تُعتبر حكمة قومية.

قال (باسكال) : «ماذا تكون مبادئنا الفطرية إذا لم تصدر عن العادة؟ فالعادة

هي طبيعة ثانية تقوض أركان الأولى، ومنها نأخذ أشد أدلتنا قوةً، وأكثرها فيضًا، وهي

التي تعين وجهة النفس دون أن يفكر الإنسان في ذلك، وبها يصبح الإنسان نصرانيًا أو

وثنيًا أو تركيًا أو محترفًا أو جنديًا ... الخ، ثم بها تستعين النفس وقتما تعثر على مكان

الحقيقة.»

ولو أن قدرة خارقة جعلت الإنسان أو الشعب يهرب من تأثير العادة لأصاب الفالج

حياته فجأة؛ لأن العادة هي التي تملي علينا كل يوم ما يجب أن نقوله ونفعله ونفكر

فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت