فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 160

أشرت سابقًا إلى أن المنطق العقلي هو آخر أنواع المنطق ظهورًا، وأن هذه الأنواع كفت

لقيادة الموجودات والأجيال الچيولوچية حتى الوقت الحاضرعلى وجه التقريب.

ليس المنطق العقلي من عمل الطبيعة بل من عمل الإنسان ضد الطبيعة، فلإيجاد

الإنسان ذكاءه وعقله في شخصه قد أخذ بالتدريج يعاني قوى الكون أقل من ذي قبل،

ويستعبد هذه القوى كل يوم، ومن كان في ريب من كون الإنسان لا الطبيعة موجد

المنطق العقلي فليلاحظ أن ما يبذله من مجهود فلمقاتلة حوادث الطبيعة على الخصوص.

والطبيعة لا تبالي بمصير الفرد أبدًا، وإنما تعتني ببقاء النوع، فجميع الموجودات

عندها سواء، وما تبذله من همة في المحافظة على أشد المكروبات إيذاءً هو كالعناية

التي تبذلها للمحافظة على أكثر الناس عبقرية، فبالمنطق العقلي الذي اكتسبناه استطعنا

أن نكافح سنن الكون الجائرة، وكثيرًا ما تم لنا النصر في هذا الكفاح، وقد انحصرت

معاناتنا لتلك السنن في الأمور التي توقفت معرفتنا عند حدها، فاليوم الذي نكتنه فيه

منطق الحياة، والمنطق العاطفي هو اليوم الذي نتغلب فيه على هذين المنطقين، وحينئذ

يملك الإنسان ما يعزوه إلى آلهته القديمة من قدرة وسلطان.

والعلم لا يزال بعيدًا من تحقيق تلك الأمنية، فمع دنوه كل يوم من قدرة الطبيعة

المقدرة فإنه مرغم على معاناة هذه القدرة بملاءمتها، ولربما كانت هذه القدرة الكبيرة

أعظم مما يظنه العلم، فنحن نخضع لحكم الطبيعة، ولكن ألا تخضع الطبيعة نفسها

لوجود ينظم القدر، وتذعن له الآلهة؟ لم تكن الفلسفة من الرقي بحيث تجيب على هذا

السؤال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت