لما كان تأثير سلطان الجموع الزائد أحد العوامل التي لا مناص منها في الحياة الحديثة،
فإنه يقتضي أن نعرف كيف نعانيه، وقد سلم (باسكال) بذلك حيث قال»: لماذا نتبع
الأكثرية؟ ألأنها أكثر عقلًا؟ لا، بل لأنها أعظم قوة. «
وبناء على ما في العدد من قوة، أو على ما أعطي قادة العدد من سطوة تعتقد
الجماعة التي هي العدد أنها قادرة على فعل كل شيء، وبذلك زاد عدد مصانعيها حتى
أصبح الوزراء والمشترعون عبيدًا لها، وما أضعف رجال السياسة أمام صخب الجموع
وهزيزها! فأكثرهم اعتدالًا يذعنون لها، وفرائصهم ترتعد فرقًا، ولا يتأخرون - كما
لوحظ في بريست - عن التوقيع على بيان لترويج مرشح للبرلمان مجرد عن الوطنية إذ
أمرتهم بذلك لجان الانتخاب الساقطة.
على أن تلك العبودية هي الناموس السائد لجميع الأجيال، فمتى طمع شعب في
الحرية، أو تقهقر إلى الاستعباد فإنه يجد أساتذة ومحامين يبررون اندفاعاته تبريرًا
عقليًا مهما تكن هذه الاندفاعات خطرة ذات أهوال، واليوم آراء الجموع هي التي تملي
على المشترعين أمر سن القوانين، وبما أن الأهواء المؤقتة لا الضرورة هي مصدر القوانين
المذكورة فإن عاقبتها القضاء على الحياة الصناعية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد،
وأما أولو الأمر الإداريون فإنهم يقتصرون على اتباع تقلبات الرأي لشعورهم بالعجز عن
تكييفه؛ فيزيدون ضغثًا على إبالة.
يشاهد وقوع ذلك كل يوم، ومن الأمثلة المحزنة في هذا الباب هو اعتصاب الملاحين
الأخير الذي كاد يقضي على تجارة بلاد الجزائر، فمنذ إعلان الاعتصاب المذكور أصبحت
الجزائر في حالة حصار بحري، وهكذا قُطعت المواصلات بين الجزائر والأقطار الأخرى
ثلاثة أشهر سنة 1904، وشهرًا واحدًا سنة 1907، وشهرين سنة 1909، وقد كان
يكفي لمعالجة ذلك الحصار أن تعدل الدولة مؤقتًا عن نظام احتكار الملاحة الفرنسوية
لبلاد الجزائر، وأن تسمح للمراكب الأجنبية بأن تكون صلة اتجار بين الجزائر وفرنسا
لأجل معين، غير أن ميل النواب إلى مداراة النواتي ذوي الحق في الانتخابات النيابية
أوجب عدم اكتراثهم لخسارة الجزائر التي تقدر بملايين كثيرة.
فإزاء تلك الطاعة العمياء لأوامر الجموع أصبحت هذه الجموع أكثر تجبرًا من ذي
قبل، وبما أن الروادع التي كانت تزجرها قد تحطمت على هذا الشكل فإنها ترغم النواب
على سن قوانين لا تلائم قاعدة العدل والإنصاف، ويقتضي الإتيان بشيء من التفصيل
لإثبات الكيفية التي تتدرج بها الزواجر الاجتماعية إلى الانفصام بعدما كانت في الماضي
تسكن أهواء الجماعات واندفاعاتها.
تشتق روح التمرد في الجموع من المبدأ القائل: إن الوعيد والتخريب يكفيان لجعل
أصحاب الأمر والنهي يخضعون لها، والحوادث التي تدل على انتحاء تكل الروح كثيرة
إلى الغاية، فهذه الحوادث تثبت ما طرأ على المزاج النفسي من تبدل أدى إلى زعزعته
مبادئ الحقوق التي كانت تعتبر حصينة منيعة الجانب، وإني أكتفي على سبيل المثال
بذكر قانون كان يظهر عند سنه - أيام اعتصاب موظفي الخطوط الحديدية - أنه
متين ذو مقصد إنساني إلا أنه أوجب في نهاية الأمر شللًا مؤقتًا في حياة الأمة.
كانت الشركات تؤدي إلى مستخدميها رواتب تقاعد أعظم مما يناله موظفو الدولة،
فإذا اعتبرنا الأرقام التي ذكرت في مجلس النواب ترى أن راتب تقاعد مديري المحطات
كان 3500 فرنك مع أن الحد الأعظم لرواتب تقاعد المعدنين 360 فرنكًا، ولرواتب
معلمي المدارس الابتدائية 1100 فرنك، ولرواتب أساتذة المدارس الثانوية 1385 فرنكًا،
ثم قال الخطيب الذي أورد هذه الأرقام: إن راتب تقاعد مستخدمي الخطوط الحديدية
ليس مما تجب زيادته.
ولكن لما كان مستخدمو الخطوط الحديدية ذوي شأن في الانتخابات، وتذرعوا
بأنواع التهديد على صفحات الجرائد ظن ممثلو الشعب في البرلمان أنه يسهل تنفيذ
مطاليبهم، فاقترعوا لزيادة رواتب تقاعدهم من دخل مساهمي الشركة، وقلما يجرؤ