فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 160

إن تأثير المنطق العقلي العظيم في تقدم العلوم، وفي تطور حياة الأفراد أحيانًا هو ضعيف

إلى الغاية في حياة الأمم، ولكن لو نظرنا إلى ظواهر الأمور دون أن نكتشف عللها الخفية،

وألقينا السمع إلى ما في كتب التاريخ من قصص لرأينا خلاف ذلك، ألم يلتجئ المؤرخون

في شروحهم إلى العقل؟ أولا نشاهد أن الناس مجمعون تقريبًا على أن سبب الثورة

الفرنسوية هو ما جاء في كتب فلاسفة القرن الثامن عشر من المباحث، وأن غاية تلك

الثورة هي نصر مبادئ العقل؟

لم يستشهد بالعقل كما استُشهد به في أثناء الثورة المذكورة حتى أن الناس أقاموا

له تمثالًا في أيامها، والواقع لم يكن ذا تأثير ضئيل مثله في ذلك الدور، ستبدو لنا هذه

الحقيقة عندما نتخلص من نير أفكارنا المنتقلة لنا عن الآباء، فنقدر على تدوين كتاب

يبحث عن روح الثورة الفرنسوية.

والمسير لتلك الثورة في جميع أطوارها حتى في بداءتها هو مبدأ عاطفي، فالذي

دفع أبناء الطبقات الوسطى - الذين هم أول من أثارها - إلى إيقادها هو الحسد

الشديد الذي كان يغلي في صدورهم ضد طبقة اعتقدوا أنهم مساوون لأبنائها، لا شك في

أن الشعب لم يطمع أول وهلة في بعض المناصب العالية التي كان لا أمل له في نيلها،

وعلى رغم هذا فقد استقبل نشوب الثورة الفرنسوية بحماسة ذلك؛ لأن تحطيم الروادع

الاجتماعية، والوعود الخلابة التي وعدوه بها جعلته يرغب في المساواة بينه وبين سادته

السابقين، وفي ضبط أموالهم، ولم يستهوه شيء من الشعار الثوري الذي نُقش على

النقود، وعلى مقدم الأبنية، كما استهوته كلمة» المساواة «التي استمر تأثيرها حتى يومنا،

فالناس لا يأخذون الآن كلمة الإخاء على أفواههم؛ نظرًا لأن مبدأ تنازع الطبقات أصبح

شعار الوقت الحاضر، وأما مبدأ الحرية فإن الجموع لم تفقه معناه في أي زمن، وقد

أنكرته على الدوام.

وإذا كانت الثورات تخلب الشعوب فذلك لأن المشاعر تحرر بها من ربقة الزواجر

التي أوجبتها مقتضيات الاجتماع، وقد بينت في فصل سابق تأثير الزواجر المذكورة

في المشاعر، فهذه الزواجر تكون ضرورية للشعوب المتقلبة ذات الاندفاعات الشديدة،

وعندما لا تُسكِّن التربية والتقاليد والقوانين هذه الاندفاعات فإن الشعب الذي هي فيه لا

يصبح فريسة لزعماء الفتن وحدهم؛ بل يكون معرضًا لغزو الشعوب المعادية التي تعلم

كيف تستغل قوة الحس والانفعال فيه، ويثبت ذلك ما ورد في التاريخ من الأمثلة العديدة

التي نعد منها حرب سنة 1870، كان إمبراطور فرنسا المريض، وملك بروسيا الطاعن

في السن يريدان اجتناب الحرب مهما يكلفهما ذلك، ولكي يمنع ملك بروسيا شهرها

عدل عن ترشيح قريبه لعرش إسبانيا، ولكنه كان يوجد خلف هذين الرجلين المترددين

صاحبي الإرادة الضعيفة رجل ذو دماغ قدير، وعزم كبير قابض على زمام المصير، فقد

استطاع هذا الرجل الحازم بحذفه بضع كلمات من إحدى البرقيات أن يثير غضب أمة

شديدة الحس، ويكرهها، وهي غير مستعدة على شهر الحرب على أعداء أخذوا للحرب

أهبتها منذ زمن بعيد، ثم شرع بعدئذ يلعب في مشاعر كل أمة حتى توصل إلى جعلها

جميعها محايدة، ومن هذه الأمم الإنكليز الذين أعمتهم مشاعرهم بعد أن أثر فيها ذلك

الرجل النفسي المحنك، فامتنعوا عن الاشتراك في وضع لائحة تكون أساسًا لمؤتمر غير

مدركين ماذا يكلفهم في المستقبل تكوين دولة حربية عظيمة، وعليه فإن من يعرف كيف

يتصرف بمشاعر الناس لا يلبث أن يصبح سيدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت